دمج

حقوق الملكية الفكرية

في سياسة التنمية

 

تقرير لجنة حقوق الملكية الفكرية

 

 

 

لندن

عام 2003


 

 

 

 

 

 

 

الناشر

لجنة حقوق الملكية الفكرية

بواسطة الإدارة البريطانية للتنمية الدولية

1 Palace Street

London SW1E 5HE

 

البريد الالكتروني: ipr@dfid.gov.uk

موقع الانترنت: http://www.iprcommission.org

 

عام 2003

 

يمكن الحصول على النص الكامل للتقرير وعلى الملخّص التنفيذي من موقع الانترنت الخاص بلجنة حقوق الملكية الفكرية وعنوانه: http://www.iprcommission.org

 

 

© لجنة حقوق الملكية الفكرية 2002

 

تصميم وطباعة

Dsprint/redesign

7 Jute Lane

Brimsdown

Enfield EN3 7JL


أعضاء اللجنة

 

البروفيسور جون بارتون (رئيس اللجنة)

كرسي استاذية جورج ئي. اوزبورن في القانون، جامعة ستانفورد، كاليفورنيا، الولايات المتحدة

 

السيد دانيال ألكسندر

محامي في المحاكم العليا متخصص في قانون الملكية الفكرية، لندن، المملكة المتحدة

 

البروفيسور كارلوس كورّيا

مدير برنامج الماجستر في سياسة وادارة العلوم والتكنولوجيا، جامعة بوينس آيرس، الأرجنتين

 

الدكتور راميش ماشيلكار، زميل الجمعية الملكية

المدير العام للمجلس الهندي للأبحاث العلمية والصناعية والأمين العام لدائرة الأبحاث العلمية والصناعية، دلهي، الهند

 

الدكتورة جيل سامويلز، حاملة وسام كوماندور في الامبراطورية البريطانية

كبيرة المدراء لسياسة العلوم والشؤون العلمية (اوروبا) في شركة فايزر انك، ساندويتش، المملكة المتحدة

 

الدكتورة ساندي توماس

مديرة مجلس نافيلد للأخلاقيات الحيوية، لندن، المملكة المتحدة

 

الأمانة

 

شارلز كليفت – الرئيس

فيل ثورب – محلل السياسة

توم بنجيللي – محلل السياسة

روب فيتر – الموظف المسؤول عن الأبحاث

برايان بيني – مدير المكتب

كارول اوليفر – مساعدة شخصية

 


تمهيد

 

في شهر مايو/أيار عام 2001 أسست كلير شورت، وزيرة الدولة للتنمية الدولية، لجنة حقوق الملكية الفكرية. اللجنة مؤلفة من أعضاء من مختلف الأقطار والخلفيات ووجهات النظر. وقد أتى كل عضو في اللجنة بوجهات نظره مختلفة بدرجة كبيرة الى مائدة المداولات. ونحن نعبر عن اصوات الدول المتقدمة والدول النامية في مجالات العلوم والقانون والأخلاقيات والاقتصاد والصناعة والحكومة والأكاديميا.

 

انني أعتقد بأننا حققنا انجازا عظيما باتفاقنا على اسلوب تناول الموضوع وعلى رسالتنا الأساسية. ومثلما يوحي عنوان تقريرنا فاننا نعتبر بأن هناك حاجة لدمج أهداف التنمية في سياسة الحقوق الفكرية، على الصعيدين القومي والدولي، ويقدم تقريرنا الطرق التي يمكن فيها ان نطبق ذلك عمليا.

 

وعلى الرغم من أنه قد تم تعييننا من قبل الحكومة البريطانية فقد تم منحنا الحرية المطلقة لوضع جدول اعمالنا واستنباط برنامج عملنا والتوصل الى نتائجنا الخاصة والى توصياتنا. وقد أوجدوا لنا الفرصة وقدموا لنا الدعم المالي لتحسين فهمنا للقضايا عن طريق التكليف باجراء دراسات وتنظيم ورشات عمل وعقد مؤتمرات وزيارة المسؤولين والمجموعات المتأثرة في كافة أنحاء العالم. وقد وفرت لنا الدعم على أفضل وجه بشكل الأمانة القديرة التي زودتنا اياها وزارة التنمية الدولية وكذلك من مكتب براءة الاختراع للمملكة المتحدة ونود ان نقدم اليهم الشكر بصورة خاصة.

 

تقابلنا كفريق للمرة الاولى بين 8 و 9 مايو/أيار عام 2001 وعقدنا سبعة اجتماعات منذ ذلك الحين. وقد قام جميعنا او البعض منا بزيارة البرازيل والصين والهند وكينيا وجنوب أفريقيا وقمنا أيضا بالتشاور مع المسؤولين في القطاع العام والقطاع الخاص ومع المنظمات غير الحكومية في لندن وبروكسيل وجنيف وواشنطن. وقمنا بزيارة لوحدة الأبحاث الخاصة بشركة فايزر في ساندويتش. وتجدون في نهاية التقرير لائحة بالمؤسسات الرئيسية التي قمنا باستشارتها. وقد كلفنا بإعداد سعبة عشر ورقة عمل وباقامة ثمانية ورشات عمل في لندن بخصوص شتى نواحي الملكية الفكرية. وقمنا بعقد مؤتمر كبير في لندن بين 21-22 فبراير/شباط عام 2002 لنتأكد من أننا نسمع الأسئلة ونعرف على الاهتمامات التي تصدر من وجهات نظر عديدة. ونحن نعتبر تلك الجلسات اجزاء مهمة من علمنا في حد ذاتها من عملنا. فهي التي جمعت معا مجموعة من الأفراد التي غايتها تسهيل الحوار والبحث في مجال السير قدماً في بعض القضايا.

واشتملت مهامنا على دراسة ما يلي:

·                   كيف يمكن تصميم أنظمة حقوق الملكية الفكرية بحيث تفيد الدول النامية ضمن اطار الاتفاقيات الدولية، بما فيها إتفاقية النواحي التجارية المرتبطة بحقوق الملكية الفكرية "تريبس" (TRIPS)؛

·                   كيف يمكن تحسين وتطوير الاطار الدولي للقواعد والاتفاقيات – مثلا في مجال المعرفة التقليدية – والعلاقة بين قواعد وأنظمة حقوق الملكية الفكرية التي تشمل القدرة على الوصول الى الموارد الجينية؛

·                   واطار السياسة الواسعة اللازم لتكملة أنظمة الملكية الفكرية بما في ذلك، مثلا، التحكم في الممارسات المناهضة للمنافسة وذلك عن طريق سياسة وقانون التنافس.

 

وقد قررنا من البداية ان لا نحاول فقط تقديم حلول وسط بين مختلف الجماعات المهتمة بالأمر بل ان تكون توصياتنا مبنية على الأدلة بقدر الامكان. وقد واجهتنا تحديات لأنه كثيرا ما كانت توجد أدلة محدودة او غير حاسمة ولكن ساعدتنا أمانتنا والاستشارات المسهبة التي قمنا بها وكذلك أوراق العمل التي كلفنا بها احد على تحديد هوية الأدلة المتوفرة التي قمنا فيما بعد بتقييمها بدقة وحذر.

 

كما أدركنا مبكرا أهمية التمييز بين الأقطار المختلفة التي تتمتع بقدرات عملية وتكنولوجية هائلة وتلك التي لا تتمتع بتلك القدرات (متوسطة او منخفضة الدخل). وقد حاولنا ان نتعرف على التأثيرات الحقيقية للملكية الفكرية، الايجابية منها والسلبية على حد سواء، في كل مجموعة من تلك الأقطار, وقد اخترنا التركيز على اهتمامات افقر تلك الأقطار في كل من الاقطار ذات الدخل المنخفض والمتوسط.

 

وكلنا متفقون على هذا التقرير. غايتنا هي الوصول الى حلول عملية ومتوازنة. في بعض الحالات تبنينا اقتراحات تقدم بها الآخرون ولكن مسؤولية الاستنتاجات تقع على عاتقنا وحدنا. ونحن نأمل بأن نكون قد وفينا بالمهمة وبأن يكون التقرير مصدرا ثمينا لكل من يشترك في الحوار حول كيف يمكن لحقوق الملكية الفكرية ان تخدم على نحو أفضل التنمية وتقلل الفقر.

 

وهكذا بالنيابة عن اللجنة أود ان أشكر جميع العاملين في كافة أنحاء العالم، وعددهم كبير يصعب ذكرهم بالاسم، وذلك على مساهماتهم في نقاشنا ولا سيما اولئك الذين أعدوا أوراق العمل.

 

وأخيرا أتوجه بالشكر الى السيدة كلير شورت والى الإدارة البريطانية للتنمية الدولية على بعد نظرها في تشكيل لجنة حقوق الملكية الفكرية. وقد تشرفت بترأس هذه اللجنة. لقد كانت خبرة رائعة بالنسبة لي وبالنسبة لجميع أعضاء اللجنة. طلب منا انجاز مهمة فيها نوع من التحدّي ونحن تمتعنا جدا بانجازها وبالفرصة التي سنحت لنا لنتعلّم من بعضنا البعض ولا سيما من العدد الكبير ممن ساهموا في عملنا.

 

جون بارتون

رئيس اللجنة

مقدمة

 

هناك القليل ممن يهتم بالملكية الفكرية الذين سيجدون راحة في قراءة هذا التقرير. لا توجد اشادة بالتقرير الذي أعده البروفيسور بارتون وفريقه من أعضاء اللجنة أكبر من هذه الاشادة. ولا توجد دلالة أكبر عن بعد نظر وشجاعة كلير شورت، وزيرة الدولة للتنمية الدولية، في تشكيل اللجنة من البداية ووضع نطاق سلطاتها وصلاحياتها.

 

ربما هناك شيء في الزمن الذي نعيش فيه يشجع الالتزام الأعمى بالمبادىء الثابتة أي بالدوغماتية. لقد أثّر ذلك على نواح عديدة من مرافق الحياة. وبكل تأكيد قد أثّر على مجال حقوق الملكية الفكرية بكامله. فمن ناحية العالم المتطور هناك لوبي قوي يعتقد بأن جميع حقوق الملكية الفكرية تعود بالنفع على المؤسسات العامة في السوق وعلى الشعب عامة وانها تعمل بمثابة حافز للتقدم الفني. فهم يعتقدون ويجادلون بانه اذا كانت حقوق الملكية الفكرية ذات فائدة فان المزيد من تلك الحقوق يجب ان تكون أكثر فائدة. ومن ناحية العالم النامي هناك لوبي عالي الصوت ممن يعتقدون بأن حقوق الملكية الفكرية من المحتمل ان تشلّ تنمية الصناعة والتكنولوجيا المحلية ومن شأنها ان تؤذي الشعب المحلي ولن تفيد إلا العالم المتقدم. وهم يعتقدون ويجادلون بأنه اذا كانت حقوق الملكية الفكرية سيئة فان القليل منها هو أفضل وأحسن. وعملية تنفيذ الاتفاقية ذات العلاقة بالنواحي التجارية المتعلقة بحقوق الملكية الفكرية (تريبس) لم تسفر عن تضييق الفجوة التي تفصل بين الجانبين بل بالأحرى ساعدت على تقوية وجهات النظر التي يحملها كل طرف من الأطراف. فاولئك الذين يحبذون المزيد من حقوق الملكية الفكرية واحداث "ملعب متساوي يتسنى للجميع اللعب فيه" يرحبون باتفاقية (تريبس) على انها أداة مفيدة لتحقيق أهدافهم. وبالنسبة للذين يعتقدون بأن حقوق الملكية الفكرية هي سيئة للدول النامية، فهم يعتقدون بأن الملعب الاقتصادي كان غير متساو قبل اتفاقية "تريبس" وان ادخال هذه الاتفاقية قد عزز عدم المساواة هذه وقواها. كانت وجهات النظر هذه التي يحملها هؤلاء ثابتة وصادقة بحيث بدا أحيانا بأنه لم يكن أحد منهم مستعدا لسماع وجهة نظر الآخر. الاقناع كان منعدما والاكراه كان موجودا.

 

اذا كانت حقوق الملكية الفكرية حسنة او سيئة فقد تعوّد العالم المتقدم على التعايش معها خلال فترة طويلة من الزمن. حتى عندما تزيد المزايا عن المساوئ في بعض الأحيان، لدى العالم المتقدم على العموم القوة الاقتصادية القومية والآليات القانونية الموطدة للتغلب على المشاكل المرتبطة بها، طالما زادت الفوائد عن المساوئ فإن الدول المتقدمة لديها الثروة والبنية الأساسية التي تمكنها من الإستفادة من الفرص المتاحة. من المحتمل ان لا ينطبق ذلك على الدول النامية وعلى الدول الأقل نموا.

وهكذا ازاء هذه الخلفية قررت وزيرة الدولة تشكيل اللجنة وطلبت منها ان تأخذ بعين الاعتبار، من ضمن أمور أخرى، كيف يمكن تصميم نظام لحقوق الملكية الفكرية الوطنية يفيد أفادة أفضل الدول النامية. وفي هذا الطلب كان هناك اعترافا ضمنيا بأنه يمكن لحقوق الملكية الفكرية ان تكون أداة تساعد او تعيق الاقتصاد الهش. وأعضاء اللجنة أنفسهم يمثلون أفضل ما يمكن ان نبتغيه من الخبرة والبراعة ذات الصلة بالموضوع. وقد قاموا بالاستشارة على نحو واسع. وهذا التقرير هو نتيجة عملهم. انه تقرير رائع.

 

وعلى الرغم من ان نطاق السلطة والصلاحية دعا اللجنة الى ايلاء اهتمام خاص بالدول النامية فهم لم يهملوا مصالح واهتمامات الجانب الأخر. ومثلما يقول التقرير يجب ان لا تفرض معايير عالية من الملكية الفكرية على الدول النامية من دون القيام بتقييم جدي وموضوعي لتأثيرها على نمو تلك الدول. وقد اجتهدت اللجنة اجتهادا كبيرا في توفير هذا التقييم. فقد أصدرت تقريرا يحتوي على مقترحات معقولة معدة لتلبية معظم المتطلبات المعتدلة للجانبين.

 

ومع ذلك فان اصدار سلسلة من المقترحات القابلة للتنفيذ ليس أمرا كافيا بحد ذاته. الحاجة تدعو الى قبولها والى الارادة من أجل تنفيذها. ومن هذه الناحية نجد اللجنة مرة أخرى تلعب دورا رئيسيا. هذا ليس تقرير مجموعة ضغط. لقد جرى تشكيل اللجنة لتقديم نصيحة غير منحازة على قدر الامكان. ان أصول أعضاء اللجنة وطبيعة أفرادها يجب ان تشجّع جميع الأشخاص الموجه اليهم التقرير على أخذ توصياتها بجدية.

 

ظلت لمدة طويلة تعتبر حقوق الملكية الفكرية طعاما سائغا بالنسبة للدول الغنية وسمّا نقيعا بالنسبة للدول الفقيرة. أرجو ان يبيّن هذا التقرير بأن الأمر ليس بتلك السهولة. اذ يمكن للدول الفقيرة ان تجدها مفيدة شرط ان تكون معدة لكي تلائم الأذواق المحلية. تقترح اللجنة بأن يجري تقرير الوجبة الملائمة من حقوق الملكية الفكرية لكل بلد نامي على أساس ما هو الأفضل لنموه وانه يترتب على المجتمع الدولي وعلى الحكومات في جميع الدول ان تتخذ قراراتها مع وضع ذلك الأمر نصب عينيها. أرجو رجاء قويا ان يحثها هذا التقرير على القيام بذلك.

 

السير هيو لادي

قاضي بريطاني في المحاكم العليا متخصص في موضوع براءات الاختراع


قائمة بالمحتويات

أعضاء اللجنة                                                                             3

 

تمهيد                                                                                         4

 

كلمة اولى                                                                                   6

 

نظرة عامة                                                                                  13

المقدمة                                                                                       13

الخلفية                                                                                        15

مهمتنا                                                                                        19

 

الفصل الأول: الملكية الفكرية والتنمية                                                       27

المقدمة                                                                                       27

الأساس المنطقي لحماية الملكية الفكرية                                                        29

          المقدمة                                                                            

          براءات الاختراع                                                                         

          حقوق النشر والتأليف                                                                    

التاريخ                                                                                       36

الأدلة عن الملكية الفكرية                                                                          39

          سياق الكلام                                                                       

          تأثير اعادة التوزيع                                                              

          النمو والابتداع                                                                   

          التجارة والاستثمار                                                              

نقل التكنولوجيا                                                                                      45

 

الفصل الثاني: الصحة                                                                             52

المقدمة                                                                                      

          الموضوع                                                                                  

          الخلفية                                                                             

الابحاث والتطوير                                                                                   56

          حوافز الأبحاث                                                                            

القدرة على حصول الفقراء على الأدوية                                                       60

          انتشار براءات الاختراع                                                                

          براءات الاختراع والأسعار                                                   

          العوامل الأخرى التي تؤثر على القدرة على الحصول على الأدوية            

المتضمّنات السياسية                                                                      68

          خيارات السياسة الوطنية                                                                

          الترخيص الاجباري للدول التي ليست لديها قدرة كافية على الانتاج الصناعي        

          تشريعات الدول النامية                                                                  

التمديد الذي تقدم به اعلان الدوحة للدول الأقل نموا                     

 

الفصل الثالث: الزراعة والموارد الجينية                                                    91

المقدمة                                                                                       91

          الخلفية                                                                             

حقوق الملكية الفكرية في الزراعة                                                    

النباتات وحماية الملكية الفكرية                                                                   93

          المقدمة                                                                            

          الأبحاث والتطوير                                                                        

          تأثير حماية تنوّع النباتات                                                               

          تأثير براءات الاختراع                                                                  

          الخلاصة                                                                                   

القدرة على الحصول على المصادر الجينية للنباتات وحقوق المزارعين                          105

          المقدمة                                                                            

          حقوق المزارعين                                                                         

          النظام المتعدد الأطراف                                                                 

 

الفصل الرابع: المعرفة التقليدية والمؤشرات الجغرافية                                 112

المقدمة                                                                                       112

المعرفة التقليدية                                                                                     113

          الخلفية                                                                             

          طبيعة المعرفة التقليدية والغرض من حمايتها                                      

          ادارة الحوار حول المعرفة التقليدية                                         

          استغلال نظام الملكية الفكرية الحالي لحماية وتشجيع المعرفة التقليدية                  

          الحماية الضريبية Sui Generis للمعرفة التقليدية                                     

          استعمال المعرفة التقليدية في غير حقها                                    

القدرة على الحصول على المعرفة التقليدية وتقاسم فوائدها                                125

          الخلفية                                                                             

          ميثاق التنوّع الاحيائي                                                          

الافصاح بالمنشأ الجغرافي للموارد الجينية في طلبات تسجيل براءات الاختراع     

 المؤشرات الجغرافية                                                                               131

          الخلفية                                                                             

          المؤشرات الجغرافية واتفاقية "تريبس"                                              

          سجل متعدد الأطراف للمؤشرات الجغرافية                                         

          التأثير الاقتصادي للمؤشرات الجغرافية                                    

 

الفصل الخامس: حقوق النشر والتأليف والتأليف برامج الحاسب الآلي وشبكة الانترنت 139

المقدمة                                                                                       138

حقوق النشر والتأليف والتأليف كحافز للابداع                                                          140

          جمعيات الاقتناء                                                                 

هل ستسمح حقوق النشر والتأليف والتأليف للدول النامية على اغلاق الفجوة في المعرفة؟    143

الصناعات المبنية على أساس حقوق النشر والتأليف والتأليف ونسخ الأعمال المحمية بحقوق النشر والتأليف         145

حقوق النشر والتأليف والتأليف والقدرة على  الحصول على المعلومات                                    147

          المواد التعليمية                                                         

          المكتبات العامة                                                                  

حقوق النشر والتأليف والتأليف وبرامج الحاسب الآلي                                                150

توفير امكانيات شبكة الانترنت في مجال التنمية                                              152

          القيود التكنولوجية                                                     

 

الفصل السادس: اصلاح نظام براءات الاختراع                                            161

المقدمة                                                                                       159

تصميم أنظمة براءات الاختراع في الدول النامية                                  

          المقدمة                                                                   

          نطاق صلاحية براءات الاختراع                                            

          مقاييس صلاحية براءات الاختراع                                          

          الاستثناءات لحقوق براءات الاختراع                             

          توفير وسائل الحماية في سياسة تسجيل براءات الاختراع             

          تشجيع الابتداع على الصعيد الوطني                              

          استنتاجات                                                               

استخدام نظام براءات الاختراع في أبحاث القطاع العام                                     176

          المقدمة                                                                   

          الأدلة من الولايات المتحدة                                           

          الأدلة من الدول النامية                                               

كيف يمكن لنظام براءات الاختراع ان يعيق الأبحاث والابتداع                            180

          القضايا في الدول المتقدمة                                                              

          صلتها بالدول النامية                                                  

التوافق الدولي في مجال براءات الاختراع                                                     187

          الخلفية                                                                              187

          معاهدة لقانون اساسي لبراءات الاختراع في اطار

المنظمة العالمية للملكية الفكرية                                                         189

 

الفصل السابع: القدرات المؤسسية                                                  197

المقدمة                                                                                       195

وضع سياسة وتشريعات الملكية الفكرية                                                       

          وضع السياسة المتكاملة                                                                  196

ادارة ومؤسسات حقوق الملكية الفكرية                                                         199

          المقدمة                                                                   

          الموارد البشرية                                                                  

          تكنولوجيا المعلومات                                                  

الفحص مقابل انظمة التسجيل                                                           202

          التعاون الاقليمي او الدولي                                                              

التكاليف والايرادات                                                                       205

كلفة نظام للملكية الفكرية                                             

          تسديد التكاليف                                                         

التطبيق القانوني                                                                                     208

التطبيق في الدول النامية                                                                

التطبيق في الدول المتقدمة                                                              

تنظيم حقوق الملكية الفكرية                                                             210

المساعدات الفنية وبناء القدرات                                                                  212

          البرامج الحالية                                                                   

تقييم تأثير المساعدات الفنية                                                   

تمويل المساعدات الفنية الاضافية                                           

تأمين التقديم الفعال للمساعدات الفنية                              

 

الفصل الثامن: البنيان الدولي                                                                   221

المقدمة                                                                                       219

وضع المقاييس الدولية: المنظمة العالمية للملكية الفكرية ومنظمة التجارة العالمية              220

اتفاقية "تريبس"                                                                                     225

          مساعدة الدول النامية على تنفيذ اتفاقية "تريبس"                                  

          الجدول الزمني لتنفيذ اتفاقية "تريبس"                                      

الملكية الفكرية في الاتفاقيات الثنائية والاقليمية                                               229

مشاركة الدول النامية                                                                     231

          التمثيل الدائم في جنيف                                                         

          الوفود الخبيرة                                                          

دور المجتمع المدني                                                                                 234

تعميق الفهم بالملكية الفكرية والتنمية                                                   235

 

تلخيص الأسماء                                                                                    241

شرح الكلمات                                                                              243

كلمة تقدير                                                                                  249

نظرة عامة

 

المقدمة

 

تعترف "أهداف التنمية للألفية الثالثة" بأهمية تقليل الفقر والمجاعة وبتحسين الصحة والتعليم وبتأمين البيئة المستدامة. وبناء على ذلك فقد أخذ المجتمع الدولي التـزاما على نفسه بتخفيض نسبة الافراد الذين يعيشون تحت وطأة الفقر بالنصف مع حلول عام 2015، مع ما يرافق ذلك من أهداف معلومة لتحسين الصحة والتعليم والبيئة المستدامة.

 

ففي عام 1999 كان نحو 2ر1 بليون نسمة في العالم يعيشون على أقل من دولار واحد باليوم وما يقرب من  2.8 بليون نسمة يعيشون على أقل من دولارين باليوم.[5] وحوالي 65% من هؤلاء الناس كانوا يعيشون في جنوب و شرقي آسيا و 25% في دول افريقيا جنوب الصحراء. وفي عام 2001 توفي ثلاثة ملايين شخص من فيروس نقص المناعة البشرية / نقص المناعة المكتسبة من بينهم 2.3 مليون شخص في دول افريقيا جنوب الصحراء.[6] وكذلك يقضي داء السل على نحو1.7 مليون شخص في كافة أنحاء العالم.[7] وبموجب الاتجاهات الحالية فمن المتوقع ان تحدث 10.2 ملايين اصابة بتلك الأمراض في عام 2005.[8] ويتوفى سنويا أكثر من مليون شخص من داء الملاريا.[9] وفي عام 1999 كان 120 مليون طفل ما يزالون من دون التعليم الابتدائي. ولدول افريقيا جنوب الصحراء أدنى نسبة حالية من التعليم وهي 60% .[10]

 

مهمتنا هي دراسة هل وكيف يمكن لحقوق الملكية الفكرية ان تلعب دورا في مساعدة العالم على تحقيق تلك الأهداف ولا سيما أهداف تقليل الفقر ومكافحة الأمراض وتحسين صحة الأمهات والأطفال وتعزيز القدرة على الحصول على التعليم والمساهمة في النمو المستدام. ومهمتنا أيضا هي دراسة هل وكيف يمكن لتلك الحقوق ان تشكّل عائقا لتحقيق تلك الأهداف واذا كان هذا هو الحال كيف يمكن ازالة تلك العوائق.

 

والبعض يجادل بقوة قائلا بأن حقوق الملكية الفكرية هي ضرورية للحث على النمو الاقتصادي الذي بدوره يساهم في تقليل مستوى الفقر. اذ بالحث على الاختراع وعلى التكنولوجيات الحديثة فهذه ترفع الانتاج الزراعي او الصناعي وتحسّن توفر الأدوية اللازمة لمكافحة الأمراض. فهم يرون انه ليس هناك أي سبب يحول دون عمل نظام جيد في الدول النامية اذا كان ذلك النظام جيدا في الدول المتقدمة. والآخرون يجادلون بقوة متساوية على عكس ذلك. فهم يقولون بأن حقوق الملكية الفكرية لا تساهم بشكل يذكر في الحث على الاختراع في الدول النامية بسبب انعدام القدرات البشرية والفنية اللازمة في تلك الدول. فهي غير فعالة في الحث على الأبحاث التي تفيد الفقراء لأن هؤلاء لن يتمكنوا من تحمّل كلفتها حتى وان جرى تطويرها. فهي تحد من خيار التعلّم التكنولوجي عن طريق الممارسة. فهم يقولون بأن حقوق الملكية الفكرية تسمح للشركات الأجنبية بأن تطرد المنافسة المحلية وذلك بالحصول على حماية براءات الاختراع وتلبية حاجات السوق عن طريق الاستيراد بدلا من الانتاج المحلي. وعلاوة على ذلك فهي ترفع كلفة الأدوية الضرورية والانتاج الزراعي الأمر الذي يؤثر تأثيرا سلبيا على الفقراء وعلى المزارعين بصورة خاصة.

 

وفي تقييمنا لتلك الحجج المتضاربة يجب ان نتذكّر التباين التكنولوجي بين الدول النامية والدول المتقدمة كمجموعة من الدول. فالدول النامية ذات الدخل المنخفض والمتوسط يعود اليها نحو 21% من النتاج المحلي الاجمالي العالمي،8 ولكن أقل من 10% من الانفاق على الأبحاث والتطوير على الصعيد العالمي.[11]  وتنفق الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أكثر على الأبحاث والتطوير من مجمل دخل الهند الوطني. وبدون استثناء تقريبا تعتبر الدول النامية دولا مستوردة للتكنولوجيا.

 

ومن الاهمية ان نأخذ بعين الاعتبار التفاوت في الدول النامية من حيث ظروفها الاجتماعية والاقتصادية وقدراتها التكنولوجية. وعموما أكثر من 60% من فقراء العالم يعيشون في بلدان لديها قدرات علمية وتكنولوجية كبيرة والغالبية العظمى من هؤلاء الناس يعيشون في الصين والهند. وللصين وللهند بالاضافة الى دول نامية صغيرة عديدة أخرى قدرات على درجة عالمية في عدد من المجالات العلمية والتكنولوجية بما فيها مثلا، مجال الفضاء والطاقة النووية والحاسب الآلي والتكنولوجيا الاحيائية والادوية وتطوير برامج الحاسب الآلي والطيران.[12] وبالمقابل يعيش 25% من الفقراء في دول أفريقيا جنوب الصحراء (باستثناء جنوب أفريقيا) وبصورة رئيسية في بلدان تعتبر قدرتها العلمية الفنية ضعيفة نسبيا.[13] وفي عام 1994 يقدّر بأنه عاد الى الصين والهند وبلدان أمريكا اللاتينية 9% تقريبا من النفقات على الأبحاث في كافة أنحاء العالم ولكن لم يعد الى دول افريقيا جنوب الصحراء الا 0.5  % فقط والى الدول النامية، ما عدا الصين والهند، حوالي 4% فقط.[14]

 

وهكذا فان الدول النامية ليست دولا متجانسة وهذه حقيقة بديهية كثيرا ما تكون بعيدة عن الذهن. القدرات العلمية والفنية لتلك الدول تختلف فيما بينها وكذلك تركيبتها الاجتماعية والاقتصادية وعدم المساواة في الدخل والثروة. وهكذا فان مسببات الفقر وبالتالي السياسات المناسبة لمواجهته تختلف بناء على ذلك بين دولة وأخرى. والمسببات ذاتها تنطبق على السياسات المترتبة على حقوق الملكية الفكرية. فالسياسات المطلوبة في تلك الدول التي تنعم بقدرات تكنولوجية متقدمة نسبيا وحيث يعيش معظم الفقراء، مثل الهند والصين، قد تختلف عن تلك المسببات في الدول ذات القدرات الضعيفة مثلما هو الحال بالنسبة لعدد كبير من دول افريقيا جنوب الصحراء. وكذلك فان تأثير سياسات الملكية الفكرية على الفقراء تختلف أيضا وفقا لظروفهم الاجتماعية والاقتصادية. فالسياسات التي تعمل على خير ما يرام في الهند لن تعمل بالضرورة على ما خير يرام في البرازيل او بوتسوانا.

 

الخلفية

 

شاهدنا خلال العشرين سنة الماضية زيادة لم يسبق لها مثيل في مستوى ونطاق والمدى الاقليمي دور حماية حقوق الملكية الفكرية.[15] وتشتمل مظاهرها على ما يلي:

 

·                   التسجيل ببراءات للأشياء والمواد الحية الموجودة في الطبيعة على عكس المنتجات والعمليات الصناعية من صنع الانسان والتي يمكن للانسان العادي ان يتعرف عليها بسهولة على انها اختراعات.

·                   تعديل أنظمة الحماية لايواء التكنولوجيات الجديدة (ولا سيما التكنولوجيا الاحيائية وتكنولوجيا الاعلام) مثل توجيه الاتحاد الاوروبي الخاص بالتكنولوجيا الاحيائية (EU Biotechnology Directive) [16]  او قانون حقوق النشر والتأليف للألفية الثانية الرقمية (Digital Millenium Copyright Act) في الولايات المتحدة.

·                   تمديد الحماية لتشمل مجالات جديدة مثل برامج الحاسب الآلي وأساليب الأعمال والتبني في بعض الدول لأنظمة فريدة جديدة (sui generis) لشبه الموصّلات وقواعد المعلومات الرقمية.

·                   وتشديد جديد على حماية المعرفة الجديدة والتكنولوجيات التي ينتجها القطاع العام.

·                   والتركيز على العلاقة بين حماية الملكية الفكرية والمعرفة التقليدية[17] والفولكلور والموارد الجينية.

·                   والتمديد الجغرافي للمعايير الدنيا لحماية الملكية الفكرية عن طريق اتفاقية "تريبس" (المرجو مراجعة المربّع صفر:1) وللمعايير الآعلى عن طريق التجارة الثنائية والاقليمية واتفاقيات الاستثمار.

·                   وتوسيع الحقوق المقصورة وتمديد مدة الحماية وتقوية آليات التطبيق.

 

المربّع صفر:1  منظمة التجارة العالمية واتفاقية "تريبس"

انبثقت الاتفاقية حول النواحي التجارية من حقوق الملكية الفكرية "تريبس" (TRIPS) (16) من دورة يوروغواي من المفاوضات التجارية التي انتهت في عام 1994. أحدث الفصل الأخير من تلك المفاوضات "منظمة التجارة العالمية" (WTO) ووضع قواعد – اتفاقيات منظمة التجارة العالمية بما فيها اتفاقية "تريبس" – التي يجب على الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية ان يلتزموا بها. ووضعوا أيضا نظاما لتسوية النـزاعات من أجل حلّ النـزاعات التجارية بين الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية. وفي شهر يناير/كانون الثاني من هذا العام كانت تنتمي الى منظمة التجارة العالمية 144 دولة يعود اليها أكثر من 90% من التجارة العالمية. وأكثر من 30 دولة أخرى تتفاوض حاليا للانضمام الى المنظمة.

 

وتملي اتفاقية "تريبس" على جميع الأعضاء في منظمة التجارة العالمية ان يوفروا الحد الأدنى من مقاييس الحماية لمجموعة واسعة من حقوق الملكية الفكرية بما فيها حقوق النشر والتأليف وبراءات الاختراع والعلامات التجارية والتصاميم الصناعية والمؤشرات الجغرافية وتوبوغرافيات شبه الموصّلات والمعلومات غير المفشي عنها. وبقيامها بذلك، تشمل اتفاقية "تريبس" شروطا مأخوذة من عدد كبير من الاتفاقيات الدولية للملكية الفكرية القائمة حاليا مثل ميثاقي باريس وبيرن اللذين تديرهما المنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO). ولكن، تدخل اتفاقية "تريبس" عددا من الالتـزامات الجديدة، ولا سيما في ما يتعلق بالمؤشرات الجغرافية وبراءات الاختراع والأسرار التجارية والتدابير المترتبة على كيفية تطبيق حقوق الملكية الفكرية.

 

وقد تأسست هيئة خاصة تعرف بـ "مجلس تريبس" يجلس فيه ممثل عن كل عضو في منظمة التجارة العالمية وهذا المجلس تأسس لادارة عملية اتفاقية "تريبس". و "مجلس تريبس" مسؤول عن مراجعة مختلف نواحي اتفاقية تريبس الواردة في الاتفاقية نفسها وكذلك تلك التي يتطلبها مؤتمر منظمة التجارة العالمية المنعقد على مستوى وزاري كل سنتين.

 

ومن بين المواضيع التي تطرقت اليها اتفاقية "تريبس" والتي أثارت المحادثات أكثر من غيرها ما يلي:

 

* ان كان يمكن تحقيق الهدف الوارد في المادة 7 من الاتفاقية بأنه يجب لحقوق الملكية الفكرية ان تساهم في نقل التكنولوجيا، ولا سيما بالنسبة للدول النامية الأعضاء في منظمة التجارة العالمية.

* التوترات الملاحظة بين المادة 8 التي تسمح للبلدان لتبني تدابير لازمة لحماية الصحة العامة ومنع انتهاكات حقوق الملكية الفكرية، شرط ان تكون منسجمة مع اتفاقية "تريبس"، والمتطلبات الأخرى الواردة في الاتفاقية. تشتمل هذه على المتطلبات لتوفير حماية لبراءة الاختراع للادوية، ووضع حدود على الشروط المترتبة على اصدار التراخيص الاجبارية (المادة 31) وعلى نطاق الشروط التي تتيح الاستثناءات لحقوق براءة الاختراع (المادة 30).

* المتطلب لحماية معطيات التجارب ضد "الاستعمال التجاري غير المنصف" في المادة 39.

* والتبرير لتوفير حماية اضافية للمؤشرات الجغرافية للنبيذ والكحول (المادة 23) وهل يجب تمديد تلك الحماية الاضافية لتغطية المؤشرات الجغرافية الأخرى او كلها.

* المدى الذي يجب فيه السماح ببراءات الاختراع المتعلقة بالأشكال الحية، مثل الصغيرة جداً (المادة 27-3(ب)) والمتطلّب لتوفير حماية الملكية الفكرية للنباتات. وفي هذا الصدد برزت مسألة انسجام اتفاقية "تريبس" مع اتفاقيات أخرى مثل "ميثاق التنوّع الاحيائي" (CBD).

* وكلفة تلبية متطلبات "تريبس" بالنسبة لعدد كبير من الدول النامية والأقل نموا الأعضاء في منظمة التجارة العالمية فيما يتعلق بادارة حقوق الملكية الفكرية وتطبيقها بفعالية.

 

وضعت اتفاقية "تريبس" موضع التنفيذ في 1 يناير/كانون الثاني عام 1995. أعطيت الدول التي اعتبرت دولا متقدمة مهلة عام واحد للالتـزام بالاتفاقية بينما أعطيت الدول النامية والدول الكائن اقتصادها في مرحلة انتقالية حتى 1 يناير/كانون الثاني عام 2000 بينما أعطيت الدول النامية اللازم عليها تمديد حماية براءات المنتجات الى مجالات جديدة مثل الادوية مهلة خمس سنوات أخرى قبل ان يتعيّن عليها ان تدخل في مثل تلك الحماية. ويتوقع من الدول الأقل نموا (LDCs) ان تضع اتفاقية "تريبس" موضع التنفيذ في بلدها مع حلول عام 2006 بينما أتاح لها الاعلان الوزاري المنبثق عن مؤتمر الدوحة حول اتفاقية تريبس والصحة العامة مهلة 10 سنوات أخرى فيما يتعلق بمستحضرات بالادوية.

 

وحيث تنشأ نـزاعات حول تفسير اتفاقية تريبس وتنفيذها بموجب القوانين الوطنية، يمكن للأعضاء ان يرفعوا تلك القضايا للبت فيها من قبل "هيئة تسوية النـزاعات" (DSB) التابعة لمنظمة التجارة العالمية. وحتى الآن رفعت 24 قضية تتعلق باتفاقية تريبس استحضروا فيها اجراءات النـزاعات. ومن تلك القضايا 23 منها رفعتها دول نامية وواحدة رفعتها البرازيل. و 16 قضية تناولت نـزاعات بين دول نامية، و سبع منها رفعتها دول متقدمة ضد دول نامية وقضية رفعتها البرازيل ضد الولايات المتحدة. ومن القضايا الـ 24 تمت تسوية عشرة منها بالتراضي وسبع عالجتها لجان تشكّلت بموجب اجراءات الاتفاقية وسبع منها تنتظر البت والتسوية.

 

والقلق حول تشغيل نظام الملكية الفكرية وتمديد حقوق الملكية الفكرية لا يقتصر على تطبيق تلك الحقوق على الدول النامية. هناك حاليا تحقيقان هامان جاريان في الولايات المتحدة، واحد من قبل الأكاديميات الوطنية للعلوم والآخر من قبل وزارة العدل واللجنة الفدرالية للتجارة، وهما يبحثان في هذه المسألة المهمة.[18] والقلق يتركّز على الزيادة المتسارعة في طلبات تسجيل البراءات في الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة (زيادة بلغت أكثر من

50% في السنوات الخمسة الماضية) والانطباع بأنه يجري اصدار عدد كبير من براءات الاختراع ذات "الجودة المتدنية" والنطاق الواسع. وهناك تخوّف كبير بأنه يجري منح العديد من براءات الاختراع او يمكن منحها لأمور ذات أهمية قليلة. مثلا، بالنسبة لصناعة الادوية قد يعني ذلك اطالة الاحتكارات على أدوية قيّمة. وقد تمنح البراءات أيضا في بعض الدول لمواد بيولوجية على أساس انه جرى عزلها من الطبيعة، وذلك اذا تعرفوا على عمل او منفعة محتملة لها. والمدى الذي يمكن فيه لمثل تلك الممارسات ان تؤثر على المنافسة بجعله من الصعب على المخترعين المنافسين ان يبيعوا منتجات منافسة او أغلى ثمنا بالنسبة للمستهلكين، وهو أمر يثير القلق والنقاش المتنامي. وهناك نقاش واسع عن تأثير ذلك على الأبحاث ولا سيما في مجال برامج الحاسب الالي والتكنولوجيا الاحيائية، حيث يمكن للبراءات التي يجري الحصول عليها في مرحلة مبكرة من عملية الأبحاث ان تشكّل عائقا على مسار الأبحاث وفي استغلالها تجاريا بعد ذلك.

 

وفي مقال هام طلع العالم البيولوجي غاريت هاردين[19] بعبارة "مأساة الموارد الشائعة" لتفسير كيف يجري استغلال الموارد الشائعة أكثر مما ينبغي في غياب القواعد المترتبة على استخدامها. ويقال بأن تكاثر حقوق الملكية الفكرية في بعض المجالات مثل الأبحاث في الطب الحيوي قد يبرز احتمال نشوء "مأساة مختلفة، ضد الموارد الشائعة بحيث يستخدم الناس الموارد النادرة استخداما قليلا لأنه يمكن لعدد كبير من مالكي حقوقها ان يعيقوا بعضهم البعض بالتنافس عليها... وهكذا يمكن لحقوق الملكية الفكرية الزائدة ان تؤدي الى فائدة أقل مما يجب لتحسين صحة البشر".[20] يمكن للشركات الآن ان تتكبد تكاليف باهظة، بالوقت والمال، لمعرفة كيف يمكنها ان تقوم بالأبحاث من دون انتهاك حقوق البراءة للشركات الأخرى، او في الدفاع عن حقوق براءاتها ضد الشركات الأخرى. وهنا يطرح السؤال. هل التكاليف الباهظة في البحث بالبراءات وفي التحليل وفي المقاضاة القانونية هو ثمن ضروري للحوافز التي يوفرها نظام البراءات او يمكن ايجاد طرق أخرى لتقليلها؟

 

والأمور ليست مقتصرة على براءات الاختراع. ففي القرن الماضي تم تمديد في الولايات المتحدة مدة حقوق النشر والتأليف من 28 عاما (قابلة للتجديد لمدة 28 عاما آخر) بموجب قانون حقوق النشر والتأليف الصادر عام 1909 الى 70 عاما بعد وفاة المؤلف او 95 عاما من تاريخ النشر (تمشيا مع الممارسة الاوروبية). والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل يمكن لتمديد الحماية ان تعتبر حقا بأنها تعزز الحوافز للابتكار في المستقبل ام انها تعزز قيمة الابتكارات الحالية فقط؟ في عام 1998 أصدر الكونغرس الأمريكي قانون حقوق النشر والتأليف للألفية الرقمي الذي يمنع، من بين أمور أخرى، التغلّب بالحيلة او المراوغة على الحماية التكنولوجية (أي التشفير). وفي اوروبا يتطلب "توجيه قاعدة المعطيات" ان تقوم جميع الدول الأعضاء بتوفير حماية ضريبية sui generis لأية مجموعة من المعطيات تكون مرتبة بطريقة نظامية ان كانت المعطيات بحد ذاتها أصلية ام لا. حتى الآن لم تتبع الولايات المتحدة هذا الاسلوب في التعامل بالموضوع. وهناك قلق متنامي من ان الحماية تحت تأثير الضغوط التجارية غير الممنوعة بشكل كاف باعتبارات المصلحة العامة، يجري تمديدها من أجل حماية قيمة الاستثمارات بدلا من الحث على المزيد من الاختراع او الابتكار.

 

ونحن نعتقد بأن القلق من تأثير الملكية الفكرية في الولايات المتحدة وفي الدول المتقدمة الأخرى هو ذو أهمية أيضا بالنسبة للدول النامية. ولكننا نعتبر أن تكاليف وضع نظام "خاطىء" للملكية الفكرية في دولة نامية من المحتمل ان تكون أكثر من تكاليفها في الدول المتقدمة. اذ لدى معظم الدول المتقدمة أنظمة متطوّرة من قواعد المنافسة تضمن عدم تأثير أية حقوق احتكارية تأثيرا غير ملائم على المصلحة العامة. في الولايات المتحدة وفي الدول الأعضاء في الاتحاد الاوروبي مثلا، تلك الأنظمة هي قوية بصورة خاصة وموطدة الأركان. ولكن في معظم الدول النامية فان الأمر ليس كذلك الأمر الذي يجعل مثل تلك الدول معرضة بصورة خاصة الى أنظمة غير ملائمة للملكية الفكرية. ونحن نرى بأنه يمكن للدول النامية ان تتعلم من خبرة الدول المتقدمة في استنباط أنظمتها الخاصة للملكية الفكرية التي تكون مناسبة لنظامها القانوني الخاص ولوضعها الاقتصادي.

 

وعدا عن تأثير قواعد الملكية الفكرية المحلية داخليا على الدولة النامية هناك أيضا تأثيرات غير مباشرة لنظام الملكية الفكرية في الدولة المتقدمة على الدول النامية. وفي عصر الحاسب الآلي فان القيود على حرية الحصول على المواد والمعطيات عن طريق الانترنت تؤثر على الجميع. يمكن، مثلا، ان يمنع العلماء في الدولة النامية من الحصول على المعطيات المحمية او ان لا تكون لديهم الموارد الكافية للقيام بذلك. اذ يمكن عرقلة الأبحاث حول الأمراض الهامة او حول المحاصيل الجديدة التي تؤثر على الدول النامية، وبينما هي تجري في الدول المتقدمة، او ترويجها بواسطة نظام الملكية الفكرية. ويمكن لنظام الملكية الفكرية في الدول النامية ان يوفر حوافز قوية للقيام بأنواع معيّنة من الأبحاث التي تفيد الناس في الدول المتقدمة وبالتالي ابعاد الموارد عن القيام بأعمال لحل مشاكل ذات أهمية عالمية. ويمكن للممارسة في الدول المتقدمة ان تسمح بالتسجيل ببراءة المعرفة او الموارد الجينية الناشئة أصلا في الدول النامية بدون ترتيبات مسبّقة لتقاسم أية فوائد من استغلال تلك المعرفة او الموارد تجاريا. وفي بعض الحالات يمكن تقييد صادرات الدول النامية الى الدول المتقدمة نتيجة لمثل تلك الحماية.

 

ومن الأهمية بالتساوي بالنسبة للدول النامية أيضا الاتجاه المستمر نحو التوافق العالمي على حماية الملكية الفكرية. والحركة نحو التوافق ليست حركة جديدة اذ هي جارية منذ أكثر من مائة عام. ولكن اتفاقية "تريبس"، التي أصبحت سارية المفعول في عام 1995، مع مراعاة فترات انتقالية محددة،  (المرجو مراجعة المربّع صفر:1) قد جعلت المقاييس الدنيا لحماية الملكية الفكرية الزامية على الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية. ولكن اتفاقية "تريبس" ما هي الا عنصر واحد في عملية التوافق الدولي. وهناك مباحثات مستمرة في المنظمة العالمية للملكية الفكرية غايتها المزيد من التوافق في نظام البراءات التي قد تحل محل اتفاقية "تريبس". وعلاوة على ذلك، فان التجارة الثنائية او الاقليمية واتفاقيات الاستثمار بين الدول المتقدمة والدول النامية كثيرا ما تشمل التـزامات متبادلة لتنفيذ أنظمة الملكية الفكرية التي تتجاوز المعايير الدنيا التي وضعتها اتفاقية "تريبس". وهكذا هناك ضغط مستمر على الدول النامية لرفع مستويات حماية الملكية الفكرية في أنظمتها وذلك بناء على المعايير القائمة في الدول المتقدمة.

 

وقد اندهشنا من طبيعة الأمور المشكوك بأمرها للقدر الكبير من الأبحاث الاقتصادية المكرّسة لتوضيح تأثير حقوق الملكية الفكرية حتى في الدول المتقدمة. هناك الشيء الكثير غير أكيد وبالنظر الى طبيعة الموضوع يمكن ان يبقى كذلك. اذ كثيرا ما يكون تأثير حقوق الملكية الفكرية مشروطا بظروف معيّنة وبالسياق. ولهذا السبب يبقى عدد كبير من المراقبين الأكاديميين متأرجحين في الرأي باصرار حول ما اذا كانت الفوائد الاجتماعية من حقوق الملكية الفكرية تفوق تكاليفها. وفيما يلي مثال نموذجي على ذلك:

 

"من المستحيل تقريبا ان نتصوّر أية مؤسسة اجتماعية متواجدة حاليا (نظام البراءات) فيها أخطاء في هذا العدد من النواحي. فهي باقية فقط لأنه لا يبدو ان هنالك أفضل منها".[21]

 

وبالنسبة للدول النامية علّقت تقارير عديدة أصدرتها وكالات دولية في الآونة الأخيرة على التأثير المحتمل لعولمة حماية الحقوق الفكرية على الدول النامية.[22] تعكس كل تلك التقارير مدى القلق من تكبّد التكاليف الباهظة وبأن الفوائد بالنسبة لعدد كبير من الدول من الصعب تحديدها.

 

مهمتنا

 

نحن نعتبر بأن تشكيل لجنتنا هو دليل على حساسية الحكومة البريطانية لهذا القلق. وفي ضوء ذلك، فان مهمتنا الأساسية هي دراسة ما اذا كان بامكان القواعد والمؤسسات الخاصة بحماية الملكية الفكرية حسب تطورها حتى تاريخه ان تساهم في التنمية وفي تخفيض الفقر في الدول النامية.

 

ونبتدىء بالقول بأن حماية ما للملكية الفكرية هي مناسبة لمرحلة ما من نمو الدول النامية مثلما كانت تاريخيا بالنسبة للدول المتقدمة. لا شك أبدا من انه يمكنها ان تساهم مساهمة هامة في الأبحاث وفي الابتداع في الدول النامية، ولا سيما في بعض الصناعات مثل صناعة الادوية والمواد الكيماوية. يتيح النظام الحافز للأفراد وللشركات للاختراع ولتطوير تكنولوجيات جديدة يمكنها ان تفيد المجتمع. ولكن الحوافز تعمل بشكل مختلف اعتمادا على ما اذا كانت هناك القدرات للاستجابة اليها. وبمنح الحقوق المقتصرة فهي تفرض تكاليف على المستهلكين وعلى المستعملين الآخرين للتكنولوجيات المحمية ببراءة. وفي بعض الحالات، تعني الحماية بأنه يتعذّر على المستهلكين او المستعملين المحتملين دفع الأسعار التي يطلبها مالكو الملكية الفكرية وبالتالي فهم يحرمون من الحصول على الابتكارات التي وضع نظام الملكية الفكرية من أجل توفيرها. ويتفاوت ميزان التكاليف والفوائد وفقا لكيفية تطبيق الحقوق وللظروف الاقتصادية والاجتماعية. مقاييس حماية الملكية الفكرية التي قد تكون مناسبة للدول المتقدمة قد تفرض تكاليف أكبر من الفوائد عند تطبيقها في الدول النامية التي تعتمد الى حد بعيد على المعرفة او على المنتجات التي تشمل المعرفة المتولدة في مكان آخر من أجل تلبية حاجاتها الأساسية وتعزيز تنميتها.

 

طبيعة حقوق الملكية الفكرية

 

يرى البعض حقوق الملكية الفكرية بصورة رئيسية على انها حقوق اقتصادية او تجارية بينما يراها الآخرون على انها شبيهة بالحقوق السياسية او حقوق الانسان. تعاملهم اتفاقية "تريبس" بموجب المفهوم السابق وبنفس الوقت تعترف بالحاجة الى ايجاد توازن بين حق المخترعين والمبتكرين في الحماية وحقوق المستعملين للتكنولوجيا (المادة 7 من اتفاقية تريبس). للاعلان العام لحقوق الانسان تعريف أوسع اذ هو يعترف بـ "الحق في حماية المصالح الأخلاقية والمادية الناجمة عن أي انتاج علمي او أدبي او فني يكون الشخص مؤلفه" مع مراعاة في كفة الميزان الأخرى "الحق... في حصة في التطوّر العلمي وفي فوائده".[23]  المسألة المهمة هي التوفيق بين المصلحة العامة في الحصول على المعرفة الجديدة وعلى منتجات المعرفة الجديدة من جهة والمصلحة العامة في الحث على الاختراع والابتكار اللذان ينتجان المعرفة الجديدة والمنتجات التي قد يعتمد عليها التقدّم المادي والثقافي من جهة أخرى.

 

تكمن الصعوبة في ان نظام الملكية الفكرية يسعى الى هذا التوفيق بمنح حق خاص وفوائد المواد الخاصة. وهكذا فان حق (الانسان) في حماية "المصالح الأخلاقية والمادية للمؤلفين" مرتبط ارتباطا تاما بالحق في فوائد المواد الخاصة الناجمة عن تلك الحماية. ويستمد المبدع او المخترع الفائدة الخاصة على حساب المستهلك. وعندما يكون المستهلك فقيرا قد يتعارض ذلك مع حقوق الانسان الأساسية، مثلا، الحق في الحياة. ولا يسمح نظام الملكية الفكرية، كما هو مبيّن في اتفاقية تريبس،، الا في طرق ضيّقة نوعا ما، التمييز بين السلع اللازمة للحياة او للتعليم من ناحية وبين السلع الأخرى مثل الأفلام او الوجبات السريعة من ناحية أخرى.

 

وهكذا نحن نرى بأن الحق في الملكية الفكرية يجب ان يرى كأحد الأساليب التي يمكن بموجبها للأمم والمجتمعات ان تساعد في تشجيع تحقيق حقوق الانسان الاقتصادية والاجتماعية. وبوجه خاص، لا توجد أية ظروف يجب فيها اخضاع حقوق الانسان الجوهرية الى متطلبات حماية الملكية الفكرية. حقوق الملكية الفكرية تمنحها الدول لأزمنة محدودة (على الأقل بالنسبة لبراءات الاختراع وحقوق النشر والتأليف والتأليف) بينما حقوق الانسان هي حقوق شاملة وغير قابلة للتحويل.[24]

 

تعتبر حقوق الملكية الفكرية عموما في هذه الأيام على انها حقوق اقتصادية وتجارية مثل ما هو الحال بالنسبة لاتفاقية "تريبس"، وكثيرا ما تملكها الشركات وليس المخترعون الأفراد. ولكن وصفها على أنها "حقوق" يجب ان لا يخفي المعضلة الحقيقية جدا الناجمة عن تطبيقها في الدول النامية حيث يمكن ان تكون التكاليف الاضافية التي تفرضها على حساب مستلزمات الحياة الأساسية للفقراء.

 

وبغض النظر عن العبارة التي تستخدم لها فنحن نفضل ان نعتبر حقوق الملكية الفكرية بمثابة آليات في السياسة العامة تمنح امتيازات اقتصادية للأفراد او المعاهد فقط لأغراض المساهمة في الخير العام الأوسع. وهكذا فان هذا الامتياز هو وسيلة لتحقيق غاية وليس غاية في حد ذاته.

 

وهكذا عندما نقيّم قيمة حماية الملكية الفكرية فيمكننا مقارنتها بدفع الضرائب. قلما يوجد من يدعي انه كلما ازدادت الضرائب كلما كان ذلك أفضل لنا. ومع ذلك هناك نزعة عند البعض لمعاملة حماية الملكية الفكرية على انها أمر حسن. ويمكن ان تكون الزيادة في الضرائب أمر مستحسن فيما لو قدّمت الخدمات العامة التي يقدّرها المجتمع أكثر من كلفة دفع الضرائب المباشرة وغير المباشرة. ولكن يمكن ان يكون الانخفاض في دفع الضرائب مفيدا أيضا اذا كانت الضرائب الباهظة من شأنها ان تضرّ النمو الاقتصادي. وعلاوة على ذلك يمضي الاقتصاديون والسياسيون قسطا كبيرا من الوقت في دراسة ما اذا كانت بنية النظام الضريبي هي البنية المثلى. فهم يتساءلون: هل ضرائب الضمان الاجتماعي الثقيلة تلحق الضرر بسبل التوظيف؟ وهل الفوائد الضريبية المعيّنة تخدم غرضها المعدة له او انها تقدم مجرد العون المالي لمستلميها للقيام بما هم يقومون به حاليا؟ وهل تأثير نظام الضرائب على توزيع الدخل هو مرغوب فيه من الوجهة الاجتماعية؟

نحن نعتقد بأن هناك أسئلة مشابهة علينا ان نطرحها بخصوص الملكية الفكرية. كم منها هو مفيد؟ كيف يجب تشكيل بنيتها؟ كيف تتفاوت البنية المثلى اعتمادا على قطاعات ومستويات التنمية؟ وعلاوة على ذلك حتى وان حصلنا على مستوى وبنية الحماية الصحيحة فمن أجل موازنة الحافز للاختراع والابتكار موازاة بتكاليفه للمجتمع علينا ان نفكر مليا في كيفية توزيع المكاسب.

التقاسم العادل للفوائد والتكاليف

الأثر الفوري لحماية الملكية الفكرية هي انها تفيد ماليا الحائزين على المعرفة وقوة الاختراع وتزيد تكاليف الحصول عليها من قبل اولئك الذين لا يملكون المعرفة وقوة الاختراع. فمن الواضح ان ذلك له صلة وثيقة بتوزيع المكاسب بين الدول المتقدمة والدول النامية. اذ حتى وان كانت هناك مكاسب اقتصادية للعالم أجمع من تمديد الحماية، وهو أمر موضع جدل، فان نتائج توزيعه بالنسبة للدخل قد لا تتفق مع حسّنا بالعدل والانصاف. ففي غالبية الدول النامية التي تتميّز بنياتها التحتية العلمية والفنية بالضعف، فان الفوائد المنطوية على الحافز على الابتكار الوطني ستكون خفيفة ومع ذلك عليها ان تواجه التكاليف الناجمة عن حماية التكنولوجيات (الأجنبية بصورة رئيسية). وهكذا فلن يجري التوزيع بعدل وانصاف تكاليف وفوائد النظام ككل.

 

وان لم يكن للدول النامية قاعدة تكنولوجية قوية يمكنها ان تستفيد من حماية الملكية الفكرية فلديها موارد جينية ومعرفة تقليدية ثمينة لها وللعالم أجمع على حد سواء. فهذه ليست بالضرورة موارد من موارد الملكية الفكرية بالمعنى الذي تفهمه الدول المتقدمة ومع ذلك فهي بكل تأكيد موارد يمكن على أساسها احداث الحماية للملكية الفكرية وفي الواقع حدث ذلك. هذا الأمر يبرز عددا من المسائل الصعبة حول ما اذا وكيف يجب ان تتفاعل تلك الموارد مع نظام الملكية الفكرية "الحديث"، وتقييمها بموجبه، ومدى حاجة تلك الموارد وتلك المعرفة لحمايتها ذاتيا (وليس فقط في معنى الملكية الفكرية)، وكيف يمكن تقاسم بعدل وانصاف الفوائد التجارية الناجمة عن تلك الموارد.

 

وتتيح الانترنت أيضا فرصا عظيمة للحصول على المعلومات التي تتطلبها الدول النامية، ولا سيما العلماء والباحثون، الذين يمكن ان تكون حرية حصولهم على المواد المكتوبة محدودة بسبب الافتقار الى الموارد المادية. ولكن هناك قلق من ان بعض اشكال التشفير (او "ادارة الحقوق الرقمية")، المعدة لمكافحة النسخ الواسع الانتشار، ان تجعل تلك المواد صعبة المنال مما هو الحال الآن بالمواد المطبوعة. ان مثل تلك الاتجاهات تعرّض للخطر مفهوم "الاستخدام المنصف"[25] (والمبادىء المشابهة) مثلما هي تنطبق حاليا على المواد المطبوعة، وفي الحد الأقصى يمكنها ان تصبح ما يساوي الحماية الأبدية لحقوق النشر والتأليف بوسائل تكنولوجية بدلا من الوسائل القانونية.

 

كيف يجب وضع سياسة الملكية الفكرية

 

بالنظر الى وجود هذا القدر الكبير من الشكوك والجدل حول التأثير العالمي لحقوق الملكية الفكرية، فاننا نعتقد بأنه من واجب واضعي السياسة ان يأخذوا بعين الاعتبار الأدلة المتوفرة، على الرغم من عدم كمالها، قبل توسيع نطاق او المدى الجغرافي لحقوق الملكية الفكرية.

 

كثيرا ما نجد بأن مصالح "المنتج" هي المهيمنة عند تطوير سياسة الملكية الفكرية وبأن مصالح المستهلك في نهاية الأمر لا تسمع ولا يؤخذ لها حساب. وهكذا يجري وضع السياسة بناء على مصالح المستعملين التجاريين للنظام بدلا من وضعها على أساس المصلحة العامة الكبرى. وفي المحادثات بخصوص حقوق الملكية الفكرية بين الدول المتقدمة والدول النامية هناك عدم توازن مشابه لذلك. وزارات التجارة في الدول المتقدمة تتأثر بصورة رئيسية بمصالح المنتج وهي ترى فوائد له من حماية قوية للملكية الفكرية في أسواق التصدير بينما لا يمكن للأمم المستهلكة، وهي في غالبيتها الدول النامية، ان تحدد وتمثّل مصالحها ازاء مصالح الأمم المتقدمة.

 

وهكذا فاننا نعترف بأن قواعد وممارسات الملكية الفكرية وكيفية تطورها هي حصيلة الاقتصاد السياسي. وهكذا تتفاوض الدول النامية، ولا سيما المستهلكين الفقراء للمنتجات التي تكون محمية بحقوق الملكية الفكرية، من موقع ضعيف نسبيا. هناك عدم تناسق جوهري في العلاقات بين الدول المتقدمة والدول النامية مبنية في آخر المطاف على قوتها الاقتصادية النسبية.

 

المفاوضات حول اتفاقية "تريبس" في دورة يوروغواي ما هي الا مثال واحد على ذلك. الدول النامية قبلت باتفاقية "تريبس" ليس لأنه في ذلك الوقت كان تبني حماية الملكية الفكرية عاليا في قائمة أولوياتها بل لأنها اعتقدت بأن الرزمة الكاملة المعروضة عليها، بما فيها تخفيض الحماية التجارية في الدول المتقدمة، ستكون مفيدة لها. اما الآن يشعر الكثير منها بأن الالتـزامات التي أخذتها الدول المتقدمة على عاتقها لتحرير الزراعة والأنسجة وتخفيض التعرفة، لم تحترمها او تنفّذها، بينما على الدول النامية ان تعيش تحت أعباء اتفاقية "تريبس". وتعترف الاتفاقية حول "تطوّر" جديد تم الوصول اليه في دورة الدوحة من مؤتمر منظمة التجارة العالمية في العام الماضي بأنه هناك حاجة الى تفسير تلك الصفقة بين الدول المتقدمة والدول النامية وجعلها ذات معنى.

 

الصعوبة بالنسبة للدول النامية في هذا الصدد هي انها دول "تأتي في المرتبة الثانية" في عالم شكلته الدول التي أتت قبلها ولهذا السبب فان العالم يختلف اختلافا كبيرا مما كان عليه عندما تطوّرت الدول التي سبقتها. اننا نعيش في عصر العولمة أصبح فيه الاقتصاد العالمي اكثر اندماجا مما كان عليه في السابق. ومن المعروف في المجتمع الدولي ان الاندماج في الاقتصاد العالمي بناء على شروط مناسبة هو شرط ضروري للتنمية. والسؤال بالنسبة لنا هو: ما هي الشروط المناسبة لذلك الاندماج في مجال حقوق الملكية الفكرية؟ اذ مثلما قامت الدول المتقدمة الآن بتشكيل أنظمتها للملكية الفكرية لتناسب ظروفها الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية الخاصة، يجب ان تتوفر الآن من حيث المبدأ الامكانية للدول النامية لتقوم بالمثل.

 

وهكذا فنحن نستخلص بالقول بأنه هناك حاجة تدعو الى ايلاء انتباه أكبر الى حاجات الدول النامية عند وضع السياسة الدولية المترتبة على الملكية الفكرية. وانسجاما مع القرارات الأخيرة التي اتخذها المجتمع الدولي في اجتماعاته في الدوحة ومونتري، يجب دمج أهداف التنمية عند وضع قواعد وممارسة الملكية الفكرية. وفي مونتري في شهر مارس/آذار 2002 رحّبت الحكومات بـ "القرارات التي اتخذتها منظمة التجارة العالمية لوضع حاجات ومصالح الدول النامية في صميم برنامج عملها". وهي اعترفت بقلق الدول النامية بما في ذلك قلقها مما يلي:

 

 "عدم الاعتراف بحقوق الملكية الفكرية لحماية المعرفة التقليدية والفولكلور؛ نقل المعرفة والتكنولوجيا؛ وتطبيق وتفسير الاتفاقية حول النواحي التجارية من حقوق الملكية الفكرية باسلوب يدعم الصحة العامة..."[26]

 

نحن نعتقد بأن ذلك هو جدول أعمال جيد ولكنه منحاز. هناك الشيء الكثير الذي يجب التفكير به وعمله عند دراسة تأثير النظام القائم على الدول النامية. نحن نعتقد بأنه يمكن لأنظمة الملكية الفكرية، ان لم نكن حذرين، ان تدخل تشوّهات يمكنها ان تضر بمصالح الدول النامية. يمكن للمستويات "العالية" جدا من الحماية ان تكون في المصلحة العامة في الدول المتقدمة التي تتمتع ببنيات تحتية علمية وتكنولوجية متطوّرة للغاية (مع انه من الجدير بالملاجظة بأن ذلك مثير للجدل من نواح عديدة)، ولكن ذلك لا يعني بأن المستويات ذاتها هي مناسبة في جميع الدول النامية. في الواقع اننا نعتبر بأنه على الدول النامية ان تولي اهتماما أكبر الى التوفيق بين مصلحتها الذاتية التجارية كما تراها، مع مصلحتها في تخفيض الفقر في الدول النامية.

2 Paragraphs on P10 of the English text are missing here

لقد حددنا عددا من القضايا الرئيسية بالنسبة للدول النامية والتي نعالجها في الفصول التالية وهي:

 

·                   ماذا يمكننا ان نتعلمه من الأدلة الاقتصادية والتجريبية حول أثر الملكية الفكرية في الدول النامية؟ وهل تحمل الخبرة التاريخية لدى الدول المتقدمة أية دروس يمكن للدول النامية ان تتعلم منها في الوقت الحاضر؟ وكيف يمكن تسهيل نقل التكنولوجيا الى الدول النامية؟ (الفصل الأول)

·                   كيف يساهم نظام الملكية الفكرية في تطوير الأدوية التي يحتاج اليها الفقراء؟ وكيف يؤثر على حصول الفقراء على الأدوية ويؤثر على توفرها؟ وماذا يعني ذلك لقواعد وممارسات الملكية الفكرية؟ (الفصل الثاني)

·                   هل يمكن لحماية الملكية الفكرية الخاصة بالنباتات والموارد الجينية ان تفيد الدول النامية والفقراء؟ ما هو نوع الأنظمة التي يجب ان تأخذها الدول النامية بعين الاعتبار لحماية أنواع النباتات وبنفس الوقت حماية حقوق المزارعين؟ (الفصل الثالث)

·                   كيف يمكن لنظام الملكية الفكرية ان يساهم في مبادىء حرية المنال والفوائد المكرّسة في ميثاق التنوّع الاحيائي (CBD)؟ هل يمكنه ان يساعد في حماية او تشجيع المعرفة التقليدية والتنوّع الاحيائي والتعابير الثقافية؟ وهل يمكن لتمديد المؤشرات الجغرافية (27) (GIs) ان تفيد الدول النامية؟ (الفصل الرابع)

·                   كيف تؤثر حماية حقوق النشر والتأليف والتأليف على حرية الدول النامية للحصول على المعرفة والتكنولوجيات والمعلومات التي هم بحاجة اليها؟ وهل يمكن لحماية الملكية الفكرية او الحماية التكنولوجية ان تؤثر على القدرة على الوصول الى الانترنت؟ وكيف يمكن استعمال حقوق النشر والتأليف والتأليف لدعم الصناعات المبتكرة في الدول النامية؟ (الفصل الخامس)

·                   وكيف يترتب على الدول النامية ان تعد تشريعاتها وممارساتها المتعلقة ببراءات الاختراع؟ هل يمكن للدول النامية ان تعد تشريعاتها بطرق يمكن بموجبها ان تتجنّب بعض المشاكل التي قد حدثت في الدول المتقدمة؟ ما هو أفضل موقف يمكن للدول النامية ان تتخذه في ما يتعلق بانسجام براءات الاختراع؟ (الفصل السادس)

·                   ما هي المؤسسات التي تحتاج اليها الدول النامية لادارة وتطبيق وتنظيم الملكية الفكرية بكفاءة وكيف يمكن تأسيس تلك المؤسسات؟ ما هي السياسات والمؤسسات المكملة اللازمة، ولا سيما فيما يتعلق بالمنافسة؟ (الفصل السابع)

·                   هل المؤسسات الدولية والوطنية المشمولة في حقوق الملكية الفكرية فعالة كما يجب في مصلحة مصالح الدول النامية؟ (الفصل الثامن)

_______________________________________________________

(1) البنك العالمي (2001) "التوقعات الاقتصادية العالمية والدول النامية 2002: جعل التجارة تعمل لصالح فقراء العالم"، البنك العالمي، واشنطن، الصفحة 30 المصدر:

http://www.worldbank.org/prospects/gep2002/full.htm

(2) حملة الايدز ومنظمة الصحة العالمية (2001) "أحدث المعلومات عن وباء الايدز" UNAIDS/WHO، جنيف، المصدر:

http://www.unaids.org/worldaidsday/2001/Epiupdate2001/Epiupdate2001 en.pdf

 (3) منظمة الصحة العالمية (2001) "تقرير عن الصحة العالمية 2001"، منظمة الصحة العالمية، جنيف، ملحق احصائيات، الجدول الثاني. "الوفيات حسب السبب والجنس وعدد الوفيات في سنين معيّنة في المناطق التي تغطيها منظمة الصحة العالمية، التقديرات لعام 2000". المصدر:

http://www.who.int/whr/2001/main/en/pdf/annex2.en.pdf

(4) معلومات من البنك العالمي. المصدر: http://www.developmentgoals.org/HivAids.htm

(5) منظمة الصحة العالمية (2001).

(6) معلومات من البنك العالمي. المصدر: http://www.developmentgoals.org/education.htm

(7) معلومات من البنك العالمي. المصدر: http://www.worldbank.org/data/databytopic/GDP.pdf.. نحدد في هذا التقرير على ان الدول النامية هي تلك الدول التي صنفها البنك العالمي على انها دول ذات دخل منخفض او ذات دخل متوسط الانخفاض ودول ذات دخل متوسط الارتفاع. المصدر:

http:www.worldbank.org/data/countryclass/classgroups.htm

(8) المرجو مراجعة الملاحظة 12 أدناه.

(9) بلغت مصاريف منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في عام 1999 553 بليون دولار أمريكي. منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (2001) "لوحة الاحصاءات للعلوم والتكنولوجيا والصناعة 2001 – نحو اقتصاد مبني على المعرفة"، اعداد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، باريس. المصدر:

http://www1.oecd.org/publications/e-book/92-2001-04-1-2987/A.2.htm . كان دخل الهند الوطني 440 بليون دولار. معلومات من البنك العالمي. المصدر: http://www.developmentgoals.org/Data.htm

(10) أحد مقاييس القدرات التكنولوجية هو عدد براءات الاختراع الأمريكية التي تصدر سنويا. ومن بين الدول النامية التي تم منحها أكثر من 50 براءة اختراع أمريكية في عام 2001 ما يلي: الصين 266؛ الهند 179؛ جنوب أفريقيا 137؛ البرازيل 125؛ المكسيك 87؛ الأرجنتين 58؛ ماليزيا 56. تلقت الصين (تايوان) 6545 وكوريا 3763 ولكن الدولتان لا تعتبران دولا نامية بموجب تصنيف البنك العالمي. المصدر:

all.pdf  http://www.uspto.gov/web/offices/ac/ido/oeip/taf/cst  

(11) تلقت هذه المنطقة 10 براءات اختراع أمريكية فقط في عام 2001. المصدر:

all.pdf  http://www.uspto.gov/web/offices/ac/ido/oeip/taf/cst 

(12) في عام 1994 بلغ حساب الصين 9ر4% من النفقات العالمية على الأبحاث والتطوير؛ والهند ودول آسيا الوسطى 2ر2%؛ وأمريكا اللاتينية 9ر1% ودول المحيط الهادىء وجنوب شرقي آسيا 9ر0% (باستثناء الدول الصناعية الجديدة) دول افريقيا جنوب الصحراء5ر0%. منظمة الاونسكو (1998) "التقرير العالمي للعلوم 1998"، منظمة الاونسكو، جنيف، الصفحات 20-21. المصدر:

pub/wsr98en.htm eng http://www.unesco.org/science/publication   

(13) المرجو مراجعة المربع صفر : 1

(14) التوجيه 98/44/EC الصادر عن البرلمان الاوروبي وعن المجلس في 6 يوليو/تموز 1998 حول الحماية القانونية للاختراعات البيوتكنولوجية، المجلة الرسمية ل 213، 30 يوليو/تموز 1998، الصفحات 13-21 . المصدر:

http://europa.eu.int/smartapi/cgi/sga

doc?smartapi!celexapi!prod!CELEXnumdoc&lg=EN&numdoc=31998L0044&model=guichett

(15) راجع شرح الكلمات للتعريف.

(16) يمكن ايجاد النص الكامل لاتفاقية "تريبس" على موقع الانترنت وعنوانه:

e/legal  e/27-trips.pdf  http://www.wto.org/english/docs

(17)  الأقل نموا هي الدول وعددها 49 المصنّفة كذلك من قبل الأمم المتحدة. ومن هذا العدد هناك 30 دولة منتسبة حاليا الى منظمة التجارة العالمية. للحصول على التفاصيل المرجو مراجعة:

http://www.unctad.org/en/pub/ldcprofiles2001.en.htm

(18) تحقيق جار مجراه في الأكاديميات الوطنية الأمريكية. المصدر:

Projects IPR Phase II Description.html  http://www7.nationalacademies.org/step/STEP

والتحقيق الثاني تقوم به لجنة التجارة الفدرالية الأمريكية ووزارة العدل حول العلاقة بين الملكية الفكرية وسياسة المنافسة. خطاب رئيس لجنة التجارة الفدرالية في 15 نوفمبر/تشرين الثاني 2001، "المنافسة وسياسة الملكية الفكرية: الطريق الى الأمام"، يعرض بدقة القلق الحالي بدقة متناهية. المصدر:

http://www.ftc.gov/speeches/muris/intellectual.htm

(19) n, G. (1968) "مأساة العلوم الشائعة"، المجلّد 162، الصفحات 1243-1248

(20) Heller.M. & Eisenberg, R. (1998) هل يمكن لبراءات الاختراع ان تردع الابتكار؟ مضادات العلوم الشائعة في الأبحاث البيوطبية"، مجلة العلوم، المجلّد 280، الصفحات 698-701ز المصدر:

http://www.sciencemag.org/cgi/content/full/280/5364/698

(21)  Jewkes, J., Sawers, D. & Stillerman, R. (1959) "مصادر الاختراع"، دار سانت مارتنز للنشر، نيويورك، الصفحة 255

(22) تشتمل هذه على ما يلي: تقرير مؤتمر الأمم المتحدة حول التجارة والتنمية (انكتاد) (UNCTAD) (1996) "اتفاقية تريبس والدول النامية"، انكتاد، جنيف، البرنامج التنموي الخاص بالأمم المتحدة (UNDP) "تقرير التنمية البشرية 2001" ، البرنامج التنموي الخاص بالأمم المتحدة، جنيف. المصدر: http://www.undp.org/hdr2001/ ؛ البنك العالمي (2001)، الفصل الخامس و Bystrom, M. & Einarsson, P. مستنسخ (2001) "اتفاقية تريبس: نتائجها على الدول النامية: آثارها على التعاون التنموي السويدي"، سيدا، ستكهولم. المصدر:

http://www.grain.org/docs/sida-trips-2001-en.PDF

(23) الأمم المتحدة (1948) "الاعلان العام حول حقوق الانسان"، الأمم المتحدة، جنيف، المادة 27. المصدر:

http://www.un.org/Overview/rights.html

(24) اللجنة الفرعية التابعة للأمم المتحدة حول تشجيع وحماية حقوق الانسان (2001) "حقوق الملكية الفكرية وحقوق الانسان"، الأمم المتحدة، جنيف، الصفحة 6، الفقرة 14، رقم الوثيقة E/CN.4/Sub.2/2001/12 . المصدر:

http://www.unhchr.ch/Huridocda.nsf/(Symbol)/E.CN.4.Sub.2.2001.12.En?Opendocument

(25) المرجو مراجعة شرح الكلمات للحصول على التعريف.

(26) اجماع مونتري، مارس/آذار 2002. المصدر: http://www.un.org/esa/ffd/aac257L13-E.doc

(27) المرجو مراجعة شرح الكلمات للحصول على التعريف.


الفصل الأول

 

الملكية الفكرية والتنمية

 

المقدمة

 

الملكية الفكرية هي شكل من أشكال المعرفة قررت المجتمعات ان تخصص لها حقوق ملكية معيّنة. فهي تشبه الى حد ما حقوق الملكية على العقار او الأرض. ولكن المعرفة هي أكثر الى حد بعيد من الملكية الفكرية. المعرفة مجسّدة بالناس وبالمؤسسات وبالتكنولوجيات الحديثة بطرق ترى منذ أمد بعيد بمثابة محرك رئيسي للنمو الاقتصادي. (1) هذا كان رأي ألفرد مارشال، الأب الراعي للاقتصاد الحديث، في القرن التاسع عشر.(2) ومع التقدمات العلمية الفنية في الآونة الأخيرة ولا سيما في التكنولوجيا الاحيائية والمعلومات وتكنولوجيات الاتصالات (ICTs) أصبحت المعرفة الى حد حتى أكبر من الماضي المصدر الرئيسي للأفضلية التنافسية بالنسبة للشركات والدول على حد سواء. فالتجارة بالسلع التي تتميّز بتكنولوجيا رفيعة والخدمات المبنية على المعرفة المكثّفة، والتي تكون فيها حماية الملكية الفكرية شائعة، تزداد نموا وبسرعة على صعيد التجارة الدولية. (3)

 

وفي الدول المتقدمة هناك أدلة دامغة تشير الى ان الملكية الفكرية كانت ولا تزال مهمة في تشجيع الاختراع في بعض القطاعات الصناعية، مع ان الأدلة حول أهميتها بالدقة في مختلف القطاعات غير معروفة بالتأكيد. مثلا، تشير الأدلة من الثمانينات من القرن الماضي بأن صناعات الادوية والمواد الكيماوية والبترول كانت من بين اوائل الصناعات التي اعترفت بضرورة نظام البراءات لتشجيع الاختراع.(4) وفي هذه الأيام يترتب على المرء ان يضيف اليها التكنولوجيا الاحيائية وبعض العناصر في تكنولوجيا الاعلام. واثبتت حقوق النشر والتأليف والتأليف ضرورتها في مجالات الموسيقى والأفلام والنشر.

 

وبالنسبة للدول النامية، مثلها مثل الدول المتقدمة من قبلها، فقد أثبت تطوّر القدرة التكنولوجية الأهلية بأنه العامل المقرر الرئيسي للنمو الاقتصادي وتقليل الفقر، اذ تقرّر تلك القدرة المدى الذي يمكن فيه لتلك الدول ان تستوعب التكنولوجيا الأجنبية وتطبقها. فقد توصّلت دراسات عديدة الى النتيجة القائلة ان العامل الأحادي المميّز أكثر من غيره الذي يقرّر نجاح نقل التكنولوجيا هو البروز الباكر للقدرة التكنولوجية الأهلية.(5)

 

ولكن الدول النامية تتفاوت تفاوتا كبيرا من حيث جودة وقدرة بنياتها الاساسية العلمية والفنية. وثمة دليل يستعمل عادة للقدرة التكنولوجية وهو عدد التسجيلات ببراءة في الولايات المتحدة وفي عدد الطلبات الدولية عن طريق معاهدة التعاون في براءات الاختراع (PCT).(6)  وفي عام 2001 منحت الولايات المتحدة أقل من 1% براءات اختراع للمتقدمين من الدول النامية وما يقرب من 60% منها جاء من سبع دول او أكثر من الدول النامية المتقدمة تكنولوجيا. (7) وفي معاهدة التعاون ببراءات الاختراع أتى أقل من 2% من الطلبات من الدول النامية في عام 1999-2001 وأكثر من 95% من تلك الطلبات جاء من مجرد خمس دول وهي: الصين والهند وجنوب أفريقيا والبرازيل والمكسيك. (8) وفي هذه الدول فان طلبات تسجيل البراءات، على الرغم من قلتها، تنمو أكثر من الطلبات التي تتلقاها معاهدة التعاون ببراءات الاختراع عموما. وبين عامي 1999 و 2001 ازدادت طلبات التسجيل بموجب معاهدة التعاون ببراءات الاختراع بنسبة 23% تقريبا ولكن ارتفع نصيب تلك الدول في العدد الاجمالي من 1% في عام 1999 الى 6ر2% في عام 2001. ومثل ما رأينا فان الانفاق على الأبحاث والتطوير مركز تركيزا شديدا في الدول المتقدمة وفي عدد قليل من الدول النامية المتقدمة تكنولوجيا. وهناك عدد قليل من الدول النامية قد تمكنت من تطوير قدرة تكنولوجية أهلية قوية. هذا يعني انه يصعب عليها تطوير تكنولوجيتها الخاصة بها او استيعاب التكنولوجيا من الدول المتقدمة.

 

والسؤال الحرج هو ما يلي: هل يمكن لتمديد أنظمة الملكية الفكرية ان تساعد الدول النامية في الحصول على مثل تلك التكنولوجيات ام لا؟ وهل يمكن لحماية حقوق الملكية الفكرية ان تساعد الدول النامية في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتخفيض الفقر وكيف يمكنها القيام بذلك؟ في هذا الفصل سنقوم بدراسة ما يلي:

 

·                   الأساس المنطقي لحماية الملكية الفكرية

·                   استعمال حماية الملكية الفكرية تاريخيا في الدول المتقدمة والدول النامية

·                   الأدلة المتوفرة عن تأثير الملكية الفكرية على الدول النامية

·                   الدور الذي يمكن للملكية الفكرية ان تلعبه في تسهيل نقل التكنولوجيا الى الدول النامية

 

المربّع 1:1 ما هي حقوق الملكية الفكرية؟

 

حقوق الملكية الفكرية (IP) هي الحقوق التي يمنحها المجتمع الى الأفراد او المنظمات بصورة رئيسية للأعمال الابتداعية وهي: الاختراعات والأعمال الأدبية والفنية والرموز والأسماء والصور والتصاميم المستعملة في التجارة. فهي تعطي المبتدع الحق في منع الآخرين من استعمال ملكيته استعمالا غير مصرح به لمدة محدودة من الوقت. والملكية الفكرية مصنّفة كما يلي: الملكية الصناعية (الابتكارات التجارية العملية) و الملكية الفنية والأدبية  (الابتداعات الثقافية). التطورات التكنولوجية الحالية تغبش، الى حد ما، على هذا التمييز وبدأت تبرز بعض الأنظمة الهجينية او الضريبية sui generis.

 

الملكية الصناعية

 

براءات الاختراع: براءات الاختراع هي حق مقتصر يمنح الى المخترع لمنع الآخرين من صنع او بيع او توزيع او استيراد او استعمال اختراعه من دون ترخيص او تصريح لمدة محددة من الوقت (تنص اتفاقية "تريبس" على مدة 20 عاما كحد أدنى من تاريخ تقديم الطلب). ومقابل ذلك يتطلب المجتمع من طالب براءاة الاختراع ان يفشي عن اختراعه باسلوب يسمح للآخرين بوضع اختراعه قيد العمل. ان هذا من شأنه ان يزيد من قدر المعرفة المتوفرة للقيام بالمزيد من الأبحاث. وبالاضافة الى افصاح كاف عن الاختراع هناك ثلاثة متطلبات أخرى (مع ان التفاصيل قد تختلف بين بلد وآخر) تقرّر امكانية تسجيل الاختراع ببراءاة وهي: الجدّة أي كون الشيء جديد او غير مألوف (خصائص جديدة ليست "فنا قديما")؛(9) وغير بديهي (خطوة مبدعة غير بديهية لشخص ماهر في هذا المجال)؛ والمنفعة (كما هي مستخدمة في الولايات المتحدة) او التطبيق الصناعي (كما هي مستخدمة في المملكة المتحدة). ونماذج المنفعة شبيهة ببراءات الاختراع ولكنها تمنح حقوقا قصيرة الأمد لبعض أنواع الابتكارات الصغيرة او التدريجية.

التصاميم الصناعية: التصاميم الصناعية تحمي النواحي الجمالية للشيء (الشكل والملمس والنقش واللون) بدلا من الخصائص الفنية. تنص اتفاقية "تريبس" بأن التصميم الأصلي يستحق الحماية من الاستخدام غير المصرّح به من قبل الآخرين لمدة 10 سنوات كحد أدنى.

 

العلامات التجارية: تمنح العلامات التجارية حقوقا مقتصرة على استخدام علامات مميّزة مثل الرموز او الألوان او الحروف او الأشكال او الأسماء لتحديد هوية صاحب المنتج وحماية سمعته الملازمة لذلك. وحتى تستحق الحماية يجب ان تكون العلامة مميّزة لصاحبها بحيث تحدد سلعه او خدماته. والغرض الرئيسي من العلامة التجارية هو منع تضليل او خداع الزبائن. ومدة الحماية تتفاوت ولكن يمكن تجديد العلامة التجارية الى أجل غير مسمى. وبالاضافة الى ذلك هناك عدد كبير من الدول توفر الحماية ضد المنافسة غير العادلة وأحيانا عن طريق منع اعطاء فكرة خاطئة عن مصدر التجارة بغض النظر عن تسجيل العلامة التجارية.

 

المؤشرات الجغرافية: المؤشرات الجغرافية (GIs) تحدد هوية المصدر الجغرافي المعيّن للمنتج والصفات والسمعة او الخصائص الأخرى الملازمة لذلك. وهذه مؤلفة عادة من اسم مكان المصدر. مثلا، تتميّز الأطعمة احيانا بميزات مستمدة من مكان انتاجها ومن عوامل بيئية محلية. المؤشرات الجغرافية تمنع الجهات غير المصرحة لها من استعمال مؤشر جغرافي محمي لمنتجات ليست من ذلك المصدر او تمنع تضليل الشعب حول المصدر الحقيقي للمنتج.

 

الأسرار التجارية: تتألف الأسرار التجارية من معلومات ثمينة تجاريا حول اساليب الانتاج ومخططات الأعمال التجارية والزبائن الخ. فهي محمية طالما هي سرية وذلك بموجب قوانين تمنع حيازتها بأساليب تجارية غير منصفة او بافشائها من دون تصريح.

 

الملكية الفنية والأدبية:

 

حقوق النشر والتأليف: حقوق النشر والتأليف والتأليف تمنح حقوقا مقتصرة للمبدعين لأعمال أدبية وعلمية وفنية أصيلة. حقوق النشر والتأليف والتأليف تمنع فقط النسخ وليس الاشتقاق المستقل. وحماية حقوق النشر والتأليف والتأليف تبدأ، بدون رسميات، ابتداء من ابتداع العمل وتدوم (كقاعدة عامة) طوال حياة المبدع بالاضافة الى 50 سنة (70 سنة في الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي). فهي تمنع الاستنساخ غير المصرّح به والأداء العام والتسجيل والاذاعة والترجمة او الاقتباس وتسمح بأخذ المال (الجعالة) (royalties) لقاء الاستعمال المصرّح به. برامج الحاسب الآلي محمية بحقوق النشر والتأليف والتأليف اذ جرى تعريف برامج الحاسب الآلي والشيفرة بمثابة تعبير أدبي.

 

أنظمة الحماية الضريبية  sui generis:

 

دوائر الحاسب الآلي الموحّدة: حماية ضريبية فريدة لتصميم دوائر الحاسب الآلي الموحّدة. وبما ان الخطوة الاختراعية كثيرا ما تكون في الحد الأدنى والمتطلب الوحيد هو الابتداع فان فترة الحماية الدنيا بموجب اتفاقية "تريبس" هي 10 سنوات.

 

حقوق مربّي النباتات: تمنح حقوق مربي النباتات (PBRs) الى مربي أنواع النباتات الجديدة والمميّزة والمتّسقة والمستقرة. وهي عادة تمنح الحماية لمدة خمس عشرة سنة على الأقل (تبدأ من تاريخ منحها). ولدى معظم الدول استثناءات للمزارعين من أجل توفير واعادة زراعة البذور ولاستعمال المواد المحمية للتربية الاضافية.

 

حماية قواعد المعلومات العلمية: تبنى الاتحاد الاوروبي تشريعات لمنح حماية ضريبية sui generis بخصوص قواعد المعلومات وبذلك منع الاستعمال غير المصرّح به للمواد المجمّعة في قاعدة المعلومات حتى وان لم تكن أصلية. تمنح حقوق مقتصرة لاقتباس او استعمال كل او جزء كبير من محتويات قاعدة المعلومات المحمية.

 

 

الأساس المنطقي لحماية الملكية الفكرية

 

المقدمة

توفر الملكية الفكرية وسيلة قانونية للمعرفة المناسبة. ومن خصائص المعرفة ان استعمالها من قبل شخص ما لا يحد من حق شخص آخر اليها (مثلا، قراءة هذا التقرير). وعلاوة على ذلك فان الكلفة الاضافية المترتبة على تمديد استعمالها الى شخص آخر كثيرا ما تكون منخفضة جدا او تكون صفر (مثلا، اعارة كتاب او نسخ ملف الكتروني). ومن وجهة نظر المجتمع فكلما ازداد عدد الناس الذين يستخدمون المعرفة كلما كان ذلك أفضل للمجتمع لأن كل مستخدم يكسب شيئا منها بكلفة بسيطة او بدون كلفة وبالتالي فان المجتمع هو بتعبير ما المستفيد. وهكذا يقول علماء الاقتصاد بأن للمعرفة صفة المصلحة العامة التي لا تضاهى. (10)

 

والناحية الأخرى من المعرفة او المنتجات التي تجسّد المعرفة هي الصعوبة، التي كثيرا ما تكون جوهرية، في منع الآخرين من استخدامها او نسخها. يمكن بسهولة نسخ عدد كبير من المنتجات التي تحتوي على معرفة حديثة. ربما يمكن نسخ معظم المنتجات، بمجهود كاف، بجزء من كلفة  اختراعها وتسويقها (مع انها لن تكون قليلة بالضرورة). يشير علماء الاقتصاد الى الخاصية الأخيرة هذه على انها تساهم في فشل السوق. فاذا تطلّب انتاج المنتج مجهودا كبيرا وبراعة وأبحاثا ولكن يمكن استنساخه بسهولة فمن غير المحتمل ان يتوفر الحافز المالي الكافي من وجهة نظر المجتمع لتخصيص الموارد للاختراع.

 

براءات الاختراع

 

براءات الاختراع هي احدى أساليب مواجهة هذا الفشل في السوق. اذ بمنح حقوق مقصورة مؤقتة في السوق تسمح براءات الاختراع للمنتجين الامكانية للتعويض عن تكاليف الاستثمار في الأبحاث والتطوير والامكانية لجني الربح، وذلك مقابل جعل المعرفة المبنية على أساسها متوفرة للعموم. ولكن لا يمكن لشخص آخر ان يضع تلك المعرفة ويستخدمها تجاريا الا بتصريح من حامل البراءة. ويتم التعويض عن تكاليف الاستثمار في الأبحاث والتطوير والحصول على عائد الاستثمار بفرض سعر على المستهلك مبني على القدرة على استبعاد المنافسة.

 

وهكذا فان الحماية هي مساومة يعقدها المجتمع على أساس انه في غياب الحماية لن يتوفر ما يكفي من الاختراع والابتداع. والافتراض هو انه على المدى الطويل فان المستهلكين هم في وضع أفضل على الرغم من الأسعار العالية التي تفرضها الأسعار الاحتكارية، لأن الخسائر التي يتكبدها المستهلكون على المدى القصير تعوّض وأكثر من جراء القيمة التي يستمدوها من الاختراعات الجديدة التي تنجم عن المزيد من الأبحاث والتطوير. ويقول علماء الاقتصاد بأن نظام براءات الاختراع يحسّن الكفاءة الديناميكية (بحثّ التقدم الفني) على حساب الكفاءة الاستاتية (الناجمة عن التكاليف الملازمة للاحتكار).

 

والأساس المنطقي لحماية براءات الاختراع هو أمر بسيط نوعا ما ولكنه يعتمد على عدد من الافتراضات البسيطة التي قد لا تؤيدها الممارسة. مثلا، لا يمكن تعريف الدرجة المثلى لحماية براءات الاختراع. فاذا كانت الحماية ضعيفة جدا فقد يثبّط تطوير التكنولوجيا بسبب الحوافز غير الكافية للقيام بالأبحاث والتطوير. واذا جرى منح حماية أكثر مما يجب فقد لا يستفيد المستهلك حتى على المدى الطويل ويمكن لأصحاب براءات الاختراع ان يجنوا أرباحا تتجاوز الى حد بعيد التكاليف الاجمالية التي أنفقوها على الأبحاث والتطوير. وعلاوة على ذلك يمكن خنق المزيد من الابتداع المبني على التكنولوجيا المحمية بسبب، مثلا، طول مدة الحماية التي يوفرها حق براءاة الاختراع او لأن نطاق الحماية الممنوحة واسع أكثر مما يجب.

 

وطول مدة الاحتكار الممنوحة هو أحد مقررات قوة حماية براءات الاختراع. ومقرر آخر هو نطاق براءة الاختراع. فبراءاة الاختراع الواسعة هي التي تمنح حقا يتجاوز الى حد بعيد جدا الاختراع المزعوم نفسه. مثلا، ثمة براءة اختراع تدعي الحق بجينة يمكن ان تحدد استخدام واحد لتلك الجينة. ولكن بموجب بعض طرق النظر الى موضوع نطاق الحماية، يكون لصاحب براءة الاختراع حقوق استخدامات المعرفة الجينية غير تلك المفشية في براءة الاختراع بما فيها تلك المعلومات التي يكتشفها شخص آخر في وقت لاحق. تعمل براءات الاختراع الواسعة الى عدم تشجيع الابتداع اللاحق من قبل رجال الأبحاث في المجال العام من براءة الاختراع. وبالمقابل يمكن للمطالبات الضيقة ان تشجّع الآخرين على "العمل حول" براءة الاختراع وبالتالي تتيح قدرا أقل من الحصر على الأبحاث المتصلة بالموضوع من قبل الآخرين. وقد تمنح حقوقا أقوى يصعب الطعن فيها في المحاكم. (11) وسياسة الترخيص التي يتبعها أصحاب براءات الاختراع من شأنها ان تؤثر تأثيرا هاما على نشر التكنولوجيات الجديدة والمدى الذي تتأثر به الأبحاث الاضافية من جراء الحقوق الممنوحة.

 

وكذلك فان درجة الحماية المثلى (حيث تفوق الفوائد الاجتماعية التكاليف الاجتماعية) تتفاوت أيضا تفاوتا كبيرا حسب المنتج والقطاع وترتبط بالتفاوتات في الطلب وهياكل السوق وتكاليف الأبحاث والتطوير وطبيعة العملية الابتداعية. وعمليا يمكن تكييف أنظمة حقوق الملكية الفكرية تكييفا دقيقا وبالتالي فان مستوى الحماية التي تتوفر عمليا هي بالضرورة حل وسط. وهكذا فان الوصول الى الحل الوسط الخاطىء - ان كان كثيرا جدا او قليلا جدا - قد يكلّف المجتمع تكاليف باهظة ولا سيما على المدى الطويل.

 

وثمة افتراض بأن هناك امدادا كامنا من القدرة الابتداعية في القطاع الخاص على أهبة الاستعداد للانفلات فيما لو تم منح الحماية التي يوفرها نظام الملكية الفكرية. وقد يكون ذلك صحيحا في الدول التي تتواجد فيها قدرة عظيمة للأبحاث. ولكن في معظم الدول النامية فان أنظمة الابتداع المحلية (على الأقل من النوع الموطد في الدول المتقدمة) هي ضعيفة. وحتى عندما تكون مثل تلك الأنظمة قوية هناك قدرة أكبر في القطاع العام مما هو الحال في القطاع الخاص. (12) وهكذا، في هذا الصدد، فان الفائدة الديناميكية المستمدة من حماية الملكية الفكرية غير أكيدة. يمكن لنظام براءات الاختراع ان يوفر الحافز ولكن قد تكون القدرة المحلية محدودة لكي تستفيد منها. وحتى عند تطوير التكنولوجيات نادرا ما تتمكن الشركات في الدول النامية من تحمّل تكاليف الحصول عليها وصون الحقوق وفوق كل ذلك قد لا تتمكن من تحمّل تكاليف الدعاوي في المحاكم فيما لو نشأت نزاعات بهذا الخصوص.

 

وعلماء الاقتصاد هم الآن على دراية بما يسمونه ب "تكاليف الصفقات". وتأسيس البنية الاساسية لنظام حقوق الملكية الفكرية والآليات اللازمة لتطبيق حقوق الملكية الفكرية باهظ الثمن لكل من الحكومات وللمهتمين بالأمر في القطاع الخاص. وفي الدول النامية حيث الموارد البشرية والمالية نادرة والأنظمة القانوية غير متطوّرة جيدا فان تكاليف فرص ادارة النظام بفعالية هي عالية. تشمل تلك التكاليف تكاليف فحص صحة المطالبات بحقوق براءة الاختراع (في كل من مرحلة تقديم الطلب وفي المحاكم) والنظر في موضوع انتهاكات الحقوق. وهناك تكاليف باهظة من جراء عدم التأكد من نتائج المقاضاة في المحاكم. يجب أيضا أخذ تلك التكاليف بعين الاعتبار ازاء الفوائد التي يمكن ان تنجم عن نظام الملكية الفكرية.

 

وهكذا هناك حاجة الى تقييم نظام براءات الاختراع بطريقة متوازنة معترفين بأن لها تكاليف وفوائد وبأن ميزان التكاليف والفوائد من المحتمل ان يتفاوت تفاوتا ملحوظا في ظروف متفاوتة.

 

وبين الأكاديميين ولا سيما خبراء الاقتصاد تظهر حقوق الملكية الفكرية عموما بشكل نقديّ. اذ مثل تلك الحقوق تشمل بالضرورة قيودا على المنافسة قد تكون على حساب المستهلكين وعلى حرية التجارة والسؤال المطروح هو ما اذا كانت تلك التكاليف تفوقها وزنا الحوافز للأبحاث والاختراع. المقتبسات في المربّع 2:1 أدناه تعكس التناقض الظاهر حول تأثير نظام الملكية الفكرية في الدول المتقدمة وتأثيره على الدول النامية. ويزداد هذا التناقض عندما يبدأ نظام الملكية الفكرية يشمل التكنولوجيات الجديدة.

 

المربّع 2:1 خلاصات عن قيمة نظام الملكية الفكرية

 

ايديث بنروز في "الاقتصاد في النظام الدولي المترتب على براءات الاختراع" في عام 1951:

 

"يمكن لأية دولة ان تخسر فيما لو منحت امتيازات احتكارية في السوق المحلية التي لا تحسّن ولا ترخّص البضائع المتوفرة ولا تطوّر قدرتها الانتاجية الخاصة بها ولا تحصل لمنتجيها على امتيازات مماثلة على أقل تقدير في الأسواق الأخرى. ولا يمكن لأي قدر من الكلام عن "وحدة العالم الاقتصادية" ان تخفي الواقع ومفاده ان بعض الدول التي لديها تجارة تصدير قليلة في البضائع الصناعية وقليلا، ان وجد، من الاختراعات للبيع، ليس لديها ما تكسبه من منح براءات الاختراع التي يجري عملها وتسجيلها ببراءة في الخارج الا تجنّب الانتقام الأجنبي البغيض في الاتجاهات الأخرى. وفي هذه الفئة تجد الدول الزراعية والدول التي تسعى الى التصنيع ولكنها تصدّر بصورة رئيسية المواد الخام...مهما تكن الفوائد لتلك الدول...فهي لا تشمل فوائد تتصل بكسبها الاقتصادي من منح او الحصول على براءات الاختراع." (13)

 

فريتز ماكلاب استخلص ما يلي بعد دراسة نظام تسجيل براءات الاختراع في الولايات المتحدة عام 1958:

 

"فاذا لم يكن المرء يعلم ان كان النظام... نظاما حسنا او سيئا، فان أفضل "خلاصة سياسية" هي المضي بلخبطة - اما معه، ان كان المرء قد عاش في ظله طويلا، او بدونه، ان كان المرء قد عاش بدونه. فان لم يكن لدينا نظاما لبراءات الاختراع فهو من قبيل عدم المسؤولية، وذلك على أساس معرفتنا الحالية بنتائجه الاقتصادية، ان نوصي بتأسيس نظام كذلك. ولكن بما ان لدينا نظاما لبراءات الاختراع منذ مدة طويلة فمن قبيل عدم المسؤولية على أساس معرفتنا الحالية ان نوصي بالغائه. تشير الجملة الأخيرة الى دولة مثل الولايات المتحدة وليس الى دولة صغيرة وليس الى دولة على الغالب غير صناعية، حيث يمكن لنظرة مختلفة ان تصل الى نتيجة أخرى." (14)

 

وفي عام 1997 كتب عالم اقتصادي مرموق وهو ليستر ثورو ما يلي:

 

"في اقتصاد عالمي هناك حاجة الى نظام عالمي لحقوق الملكية الفكرية. يجب على مثل ذلك النظام ان يعكس حاجات الدول النامية وعلى الدول المتقدمة على حد سواء. والمشكلة شبيهة بتلك المتعلقة بماهية أنواع المعرفة التي يجب ان تكون معلومة من العامة في العالم المتقدم. ولكن حاجة العالم الثالث الى الحصول على الأدوية الرخيصة لا تساوي حاجته الى الحصول على أقراص موسيقية مدمّجة رخيصة. وهكذا فان أي نظام يعامل مثل تلك الحاجات بالتساوي، مثل ما هو الحال بالنسبة لنظامنا الحالي، فانه ليس حسنا وليس نظاما قابلا للبقاء." (15)

 

وفي عام 1999 صرّح المحامي الأكاديمي المرموق لاري ليسيغ بقوله:

 

"لا شك بأننا في وضع أفضل بوجود نظام براءات الاختراع مما نكون بدونه. فالقدر الكبير من الأبحاث والاختراع لن يحدث بدون الحماية التي توفرها الحكومة. ولكن بما ان بعض الحماية هي حسنة فهذا لا يعني ان الأكثر منها هو بالضرورة  أحسن... هناك شك متزايد بين الأكاديميين حول ما اذا كان مثل تلك الاحتكارات المفروضة من قبل الدولة تساعد في نمو سوق متطوّرة بسرعة مثل سوق الانترنت...والسؤال الذي يطرحه علماء الاقتصاد الآن هو ما اذا يمكن لتوسيع حماية براءات الاختراع ان يكون مفيدا ومجديا. بكل تأكيد سيجعل بعض الناس أثرياء ولكنه لا يعني انه يحسّن السوق.. بدلا من الحماية غير المحدودة تعلمنا تقاليدنا التوازن وتحذرنا من المخاطر الكامنة في أنظمة الملكية الفكرية القوية أكثر مما ينبغي. ولكن يبدو بأن التوازن في الملكية الفكرية قد ولى في المرحلة هذه. هناك جشع ضارب أطنابه ليس فقط في مجال براءات الاختراع بل في الملكية الفكرية عموما..." (16)

 

وفي عام 2002 صرّح عالم الاقتصاد المرموق جيفري ساكس بقوله:

 

"... هناك فرصة لاعادة التفكير بنظام حقوق الملكية الفكرية لنظام التجارة العالمي ازاء أفقر دول العالم. ففي مفاوضات دورة يوروغواي دفعت صناعة الادوية الدولية دفعا شديدا لايجاد تغطية شاملة لحماية براءات الاختراع من دون أخذ اعتبار لتأثير ذلك على الدول الفقيرة. لا يوجد أي شك بأن الترتيبات الجديدة للملكية الفكرية قد تجعل من الصعب على المستهلكين في الدول الفقيرة  بأن يحصلوا على التكنولوجيات الجديدة مثلما رأينا بوضوح في مسألة الأدوية اللازمة. فالدول المتفاوضة في دورة الدوحة الجديدة قد أخذت التـزاما باعادة النظر في موضوع حقوق الملكية الفكرية وذلك في ضوء أولويات الصحة العامة، وهم على حق في القيام بذلك. ومن المحتمل ان يبطىء تشديد حقوق الملكية الفكرية نشر التكنولوجيا الى أفقر دول العالم والتي تأتيها عادة عن طريق النسخ والهندسة العكسية. يجري بشكل متزايد ابطاء المسارات المقدّسة لنشر التكنولوجيا ويمكنها بالتالي ان تعيق تنمية أفقر الدول في العالم. هذا مجال يستدعي النظر فيه عن كثب وكذلك الانتباه السياسي والأبحاث المتواصلة.( 17)

حقوق النشر والتأليف والتأليف

الأساس المنطقي لحماية حقوق النشر والتأليف والتأليف لا يختلف عن ذلك الخاص ببراءات الاختراع على الرغم من انه تاريخيا تم وضع وزن أكبر على حقوق الفنانين المبدعين المتأصلة في تلقيهم مكافأة عادلة عن أعمالهم بدلا من تأثير الحوافز على الابتداع. حقوق النشر والتأليف والتأليف تحمي الشكل الذي يجري فيه التعبير عن الأفكار وليس الأفكار نفسها. كانت حقوق النشر والتأليف والتأليف ولا تزال الأساس لجعل نشر الأعمال الأدبية والفنية مقترحا اقتصاديا وذلك بمنع نسخ تلك الأعمال. اذ بعكس براءات الاختراع فان حماية حقوق النشر والتأليف والتأليف لا تحتاج الى تسجيل او الى أية رسميات أخرى (مع انه لم يكن الأمر كذلك دائما).

 

وكما هو الحال بالنسبة لبراءات الاختراع فان المقايضة بالنسبة للمجتمع هي بين الحافز الذي توفره حقوق النشر والتأليف والتأليف لمبدعي الأعمال الأدبية والفنية والقيود التي تضعها على التدفق الحر للأعمال المحمية بحقوق النشر والتأليف والتأليف. ولكن بعكس براءات الاختراع، فان حقوق النشر والتأليف من حيث المبدأ تحمي التعبير عن الأفكار وليس الأفكار بحد ذاتها، التي يمكن استعمالها من قبل الآخرين. وهي تمنع فقط نسخ ذلك التعبير وليس الاشتقاق المستقل منه. والمسألة المركزية بالنسبة للدول النامية تتعلق بكلفة الحصول على القيمة الرقمية للأعمال المحمية والطريقة المتبعة في تطبيق حماية حقوق النشر والتأليف والتأليف.

 

وكما هو الحال بالنسبة لبراءات الاختراع هناك عادة استثناءات في القانون حيث يجري تليين حقوق أصحاب حقوق النشر والتأليف والتأليف من أجل المصلحة العامة عموما والتي تعرف في بعض الدول بتدابير "الاستخدام المنصف" (مثلا في الولايات المتحدة) و "المعاملة المنصفة" في المملكة المتحدة والاستثناءات لحقوق الاستنساخ في التقليد الاوروبي. (18) والمسألة المهمة بصورة خاصة بالنسبة للدول النامية هي مسألة تكاليف الحصول على الأعمال المحمية بحقوق النشر والتأليف وتفسير عبارة "الاستخدام المنصف" وهي مسألة ازدادت أهمية بتمديد حقوق النشر والتأليف والتأليف الى المواد الالكترونية مثل برامج الحاسب الآلي.

 

وحقوق النشر والتأليف والتأليف تحمي الأعمال الأدبية والفنية لمدة أطول من الزمن من براءات الاختراع ولكنها لا تحمي من الاشتقاق المستقل من العمل المعني بالأمر. وبموجب اتفاقية "تريبس" تسري حقوق النشر والتأليف لمدة خمسين عاما بعد وفاة المؤلف على أقل تقدير، ولكن معظم الدول المتقدمة وعدد كبير من الدول النامية قد مددوا هذه المدة الى 70 سنة او أكثر. ومع ان السبب الرئيسي وراء تمديد حقوق النشر والتأليف والتأليف هو الضغط من صناعات حقوق النشر والتأليف والتأليف (ولا سيما صناعة الأفلام السينمائية في الولايات المتحدة)، لا يوجد أساس منطقي واضح لتكون مدة الحماية التي توفرها حقوق النشر والتأليف والتأليف أطول من المدة التي توفرها براءات الاختراع. وفي الواقع فان نسبة التغيير الفني قد أدت، في العديد من الصناعات، الى مدد أقصر (مثلا، الطبعات المتتالية من برامج الحاسب الآلي) الأمر الذي يجعل حماية حقوق النشر والتأليف والتأليف لمدد طويلة زائدة عن الحاجة. والزيادات المتعاقبة في مدد حماية حقوق النشر والتأليف والتأليف قد أثارت بعض القلق في بعض الأوساط. ففي هذا العام ستنظر المحكمة العليا في الولايات المتحدة في قضية تتحدى قانون تمديد مدة حقوق النشر والتأليف والتأليف الصادر عام 1998 على أساس انه يخالف الدستور الذي يحدد بأن الحماية يجب ان تكون "لمدد محدودة". وبالاضافة الى ذلك فهم يؤكدون بأن تمديد الحماية لعمل موجود حاليا لن يعمل بمثابة حافز وهو يخالف أيضا متطلب "شيء مقابل الآخر" الوارد في الدستور بأنه يمنح حقوق الاحتكار في مقابل الفوائد العامة. (19)

 

وكما هو الحال بالنسبة لبراءات الاختراع فان المسألة الرئيسية بالنسبة للدول النامية هي ما اذا كانت المكاسب التي يمكن انتزاعها من الحوافز التي توفرها حقوق النشر والتأليف والتأليف تفوق وزنا وقيمة التكاليف الزائدة الملازمة للقيود المفروضة على الاستعمال الناجمة من حقوق النشر والتأليف. وعلى الرغم من ان هناك استثناءات، مثل صناعة الأفلام السينمائية الهندية او صناعة برامج الحاسب الآلي، فان معظم الدول النامية هي مستوردة خالصة للمواد المحمية بحقوق النشر والتأليف مثل ما هي مستوردة خالصة للتكنولوجيات. وبما ان حقوق النشر والتأليف لا تحتاج الى التسجيل او الى أية رسميات أخرى، حالما تبدأ دولة بتطبيق قوانين حقوق النشر والتأليف، فان أثر حقوق النشر والتأليف اقوى بكثير من براءات الاختراع. برامج الحاسب الآلي وكتب المدارس والجامعات والمجلات الأكاديمية هي مواد رئيسية تعتبر فيها حقوق النشر والتأليف عاملا مقررا للأسعار ولقدرة الحصول عليها وأيضا مكوّنات رئيسية في التعليم وفي مجالات مهمة أخرى من عملية التنمية. مثلا، ان اختيارا معقولا للمجلات الأكاديمية يكلّف أكثر مما يمكن ان تتحمله ميزانيات مكتبات الجامعات في معظم الدول النامية وعلى نحو متزايد أيضا في الدول المتقدمة.

 

والتفاعل بين الانترنت وحقوق النشر والتأليف هو مسألة ذات أهمية خاصة ومتنامية بالنسبة للدول النامية. بالنسبة لوسائل الاعلام المطبوعة هناك تدابير "للاستخدام المنصف" بموجب قانون حقوق النشر والتأليف، وطبيعة وسيلة الاعلام هذه تجعلها قابلة للاستعمال من قبل عدد كبير من الناس اما رسميا عن طريق المكتبات العامة او غير رسمي عن طريق الاعارة والتصفّح (مثلما يحدث في محلات بيع الكتب حيث يتصفّح الشخص الكتاب قبل ان يشتريه). بالنسبة للمواد التي يحصل عليها المرء عن طريق الانترنت تسمح التكنولوجيا التحفّظ لمنع المستعملين المحتملين من حتى تصفّح المعلومات ما لم يكونوا قد دفعوا رسما مسبقا. وبينما كانت فلسفة "الانترنت" حتى الآن تنطوي على حرية الحصول على المعلومات عبرها هناك مواقع متزايدة على الانترنت فيها مواد قيّمة تتجه نحو فرض رسم على الحصول عليها او تقييد الحصول عليها بطرق أخرى. وعلاوة على ذلك لقانون حقوق النشر والتأليف للألفية الرقمية في الولايات المتحدة والتوجيه الاوروبي الخاص بقاعدة المعطيات شروط تتجاوز تلك المطلوبة بموجب اتفاقية "تريبس" وهي مملوكة من قبل مستعملين عديدين الأمر الذي رجّح كفة ميزان الحماية الى حد كبير لمصلحة المستثمرين وجامعي المعطيات او المعلومات العلمية.

 

وهكذا كما هو الحال بالنسبة لبراءات الاختراع هناك حاجة الى التوازن. فالحماية أكثر مما يجب عن طريق حقوق النشر والتأليف او عن طريق أي شكل آخر من أشكال حماية الملكية الفكرية او عن طريق التكنولوجيا قد يقيّد التدفّق الحر للآراء التي يعتمد عليها تقدم الأفكار والتكنولوجيا. وبالنسبة للدول النامية قد تتأثر حريتها في الحصول على الأعمال اللازمة لتنميتها وبأسعار يمكن ان تتحملها مثل المواد التعليمية والمعرفة العلمية والفنية من جراء وجود قواعد لحقوق النشر والتأليف قوية على نحو غير ملائم. 

 

التاريخ

 

هناك دروس عديدة يمكننا ان نتعلمها من التاريخ ولا سيما من خبرة الدول المتقدمة في القرن التاسع عشر ومن الاقتصادات الناشئة في شرقي آسيا في القرن الماضي.

 

أولا، تاريخيا كانت أنظمة الملكية الفكرية تستخدم من قبل الدول لتعزيز ما كانت تراه انه في مصالحها الاقتصادية. وقد غيّرت الدول أنظمتها في مراحل مختلفة من تنميتها الاقتصادية مع تغيّر تلك الرؤية والمكانة الاقتصادية لتلك الدول. مثلا بين عامي 1790 و 1836بصفتها مستوردة خالصة للتكنولوجيا قيّدت الولايات المتحدة اصدار براءات الاختراع بمواطنيها وبالمقيمين فيها فقط. حتى في عام 1836 ثبتوا رسوم براءات الاختراع للأجانب بعشرة أضعاف الرسم المفروض على المواطنين الأمريكيين (وثلثان أكثر من ذلك ان كان الشخص بريطانيا). في عام 1861 فقط بدأوا بمعاملة الأجانب على أساس غير تمييزي تقريبا تماما. ففي تقريره السنوي الصادر عام 1858 أبدى المفوّض الأمريكي لبراءات الاختراع الملاحظة التالية:

 

"انه واقع هام بالقدر ما هو مخزي بأنه من بين 10359 اختراع تم في الخارج في العام الماضي فقط 42 منها تم تسجيلها ببراءة في الولايات المتحدة. فالرسوم الباهظة المفروضة على الأجنبي وشدة التمييز المجحف ضده تعطينا تفسيرا كافيا لتلك النتيجة... ويمكن الاستخلاص من ذلك بأن حكومة هذه البلاد تعتبر اختراعا يتم فيما وراء البحار على أنه خطر حقيقي، ان لم نقل بغيض، ومن العدل اخلاقيا وحكمة سياسيا ان نرهقه بعبء الضريبة، مثل ما ترهق بالضريبة استيراد نوع ما من العقار السامّ الأجنبي. وهناك رؤية حسنة لهذه المسألة وواحدة تعتبر أكثر انسجاما مع الروح المتقدمة للعصر وهي الرؤية التي تحيي ثمرة العبقرية المخترعة، مهما كانت الأجواء التي ترعرعت فيها، على أنها ملكية مشتركة للعالم، وهي موضع ترحيب بصفتها نعمة مشتركة للجنس المكرّسة لتحسينه. (20)

 

وحتى عام 1891 كانت حماية حقوق النشر والتأليف الأمريكية مقتصرة على المواطنين الأمريكيين ولكن بقيت شتى أنواع التقييدات مفروضة على حقوق النشر والتأليف الأجنبية (مثلا كان يجب أن تطبع المواد على مطابع أمريكية) الأمر الذي أخّر دخول الولايات المتحدة في ميثاق بيرن لحقوق النشر والتأليف حتى عام 1989 بعد 100 عام من دخول المملكة المتحدة. ولهذا السبب قد يتذكّر بعض القراء شراء كتب كتبت على أغلفتها الكلمات التالية: "لأسباب حقوق النشر والتأليف هذه الطبعة لسيت للبيع في الولايات المتحدة الأمريكية".

 

وحتى تبني ميثاق باريس (حول حماية الملكية الصناعية) في عام 1883 وميثاق بيرن المرادف له في عام 1886 (حول الأعمال الأدبية والفنية) كانت قدرة الدول على تكييف طبيعة أنظمتها بموجب ظروفها غير مقيّدة. وحتى في ذلك الحين كانت قواعد تلك المواثيق مرنة للغاية. فميثاق باريس أتاح للدول المجال بأن تستثني مجالات من التكنولوجيا من الحماية وتقرير طول مدة الحماية الممنوحة بموجب براءات الاختراع. وقد سمحت تلك القواعد أيضا بالغاء براءات الاختراع والتراخيص الاجبارية (21) لعلاج مسألة الانتهاكات.

 

وثانيا أبعدت دول عديدة في بعص الأحيان أنواع مختلفة من الاختراعات في بعض قطاعات الصناعة من الحماية التي توفرها براءات الاختراع. وكثيرا ما كان القانون يقيّد براءات الاختراع على المنتجات مقتصرا الحماية على عمليات انتاجها. ونموذجيا كانت تلك القطاعات تنطوي على المواد الغذائية والادوية والمواد الكيماوية وذلك بناء على الرأي بأنه ينبغي ان لا يمنح الاحتكار الى السلع الضرورية وانه يمكن كسب الكثير من تشجيع حرية الحصول على التكنولوجيا الأجنبية بدلا من حث الاختراع في الصناعة المحلية. وقد تبنت هذا الاسلوب دول عديدة من الدول المتقدمة حاليا في القرن التاسع عشر ومن البعض حتى أواخر القرن العشرين وأيضا من دول شرق آسيا (مثل تايوان وكوريا) حتى الآونة الأخيرة نسبيا. ومع ذلك فان اتفاقية "تريبس" تمنع الآن التمييز في منح حماية براءات الاختراع فيما يتعلق بمختلف مجالات التكنولوجيا.

 

وثالثا، كثيرا ما تكون الملكية الفكرية وبراءات الاختراع بصورة خاصة مسألة مثيرة للنـزاع سياسيا. بين عامي 1850 و 1875 هاج النقاش في اوروبا، في الأوساط الأكاديمية والسياسية، حول ما اذا كان نظام براءات الاختراع يسيء الى مبادىء التجارة الحرة او على أفضل الأساليب العملية للحث على الاختراع. جون ستيوارت ميل أخذ بوجهة النظر الأخيرة قائلا:

 

"...الامتياز المقتصر، وطوال مدة مؤقتة هو أفضل (كوسيلة للحث على الاختراع)؛ لأنه لا يترك أي شيء عرضة لتقدير المرء؛ ولأن المكافأة التي يمنحها تعتمد على ايجاد الاختراع مفيدا، وكلما ازدادت الفائدة كلما ازدادت المكافأة؛ ولأن تلك المكافأة تدفع من قبل الأشخاص الذين تقدم لهم تلك الخدمة وهم المستهلكون لتلك السلعة." (22)

 

ومن الوجهة الجوهرية يبقى ذلك هو الحال بالنسبة للنظام في الوقت الحاضر - طريقة زهيدة الثمن (على الأقل بالنسبة للحكومات كونها غير مشترية للبضائع) لتوفير الحافز للاختراع مع ما يرافقه من مكافأة متناسبة مع الاستعمال الذي يوضع فيه في وقت لاحق. (23)

 

وتقدمت المعارضة للحماية عن طريق براءات الاختراع اعتراضاتها على أسس مختلفة ولكن يمكن ايجازها بعبارات مجلة "الاكونوميست" في عام 1851 عندما قال:

"الامتيازات التي تمنحها القوانين المترتبة على براءات الاختراع للمخترعين هي امتيازات ممنوعة على الآخرين وبالتالي فان تاريخ الاختراعات يعجّ بحكايات عن تحسينات طفيفة مسجلة ببراءات، وضعت حدا لمدة طويلة من الزمن على تحسينات مشابهة وتحسينات أفضل منها بكثير... الامتيازات قد خنقت الاختراعات الأخرى أكثر من التشجيع عليها.. كل براءة اختراع هي حائل ضد التحسينات في اتجاه معيّن، الا من قبل صاحب براءة الاختراع، لعدد معيّن من السنوات، ومهما كان ذلك مفيدا بالنسبة لصاحب الامتياز، لا يمكن للمجتمع ان يستفيد منها... وبالتالي فهي بالواقع تعتبر حائلا على جميع المخترعين من ممارسة قواهم العقلية وحيث أنهم أكثر عددا من صاحب الامتياز الأحادي، فان ذلك يشكل عائقا على التقدم بوجه عام..." (24)   

ولذلك فالأمر هذا يوضح من جديد موضوعا يتكرر ذكره في المحادثات الجارية وهو: اذا كان النظام يحمي مجموعة من الاختراعات فهل يمكنه ان يتجنّب ردع اولئك الذين يسعون الى ادخال تحسينات على الاختراع الأول؟

 

والمناقشات الدائرة حول اتفاقية "تريبس" سبقها جدال في القرن التاسع عشر حول التجارة الحرة حيث كانوا يرون آنذاك بأن منح الاحتكارات يشكّل انتهاكا لمبادىء التجارة الحرة. وعلاوة على ذلك كانت تلعب المصالح الذاتية لعبتها. في سويسرا في الثمانينات من القرن التاسع عشر لم يرغب رجال الصناعة باصدار قانون لبراءات الاختراع لأنهم كانوا يريدون الاستمرار في استعمال اختراعات المنافسين الأجانب. وحافظوا على تلك المعارضة على الرغم من ان السويسريين أنفسهم كانوا من المطالبين المتحمسين أنفسهم لبراءات الاختراع في الدول الأخرى. وبما انه كان لسويسرا آنذاك تعرفة منخفضة فقد خشوا ان يأخذ هؤلاء المتنافسون براءات اختراع في سويسرا ومن ثم ابعاد المنافسة السويسرية بفضل تلك الحماية.

 

تبنت سويسرا في آخر الأمر قانونا لبراءات الاختراع شملته شتى الاستثناءات والاجراءات الواقية، ليس لأن معظم السويسريين رأوا بأن هناك أية فائدة خالصة من السماح ببراءات الاختراع الأجنبية، ولكن لأن سويسرا وجدت نفسها تحت ضغط شديد ولا سيما من ألمانيا للقيام بذلك ولم تكن ترغب في معاملتها بالمثل من قبل الدول الأخرى.(25) واشتملت الاجراءات الوقائية التي تبنوها على تدابير للعمل الاجباري (26) والترخيص الاجباري مما سمح للحكومة بفرض الانتاج في سويسرا بطريقة او بأخرى، اذا رغبت في ذلك. وبالاضافة الى ذلك استثنوا المواد الكيماوية وصباغة الأنسجة من حماية براءات الاختراع. وفي أماكن أخرى من اوروبا ربح الموالون لنظام براءة الاختراع الحجة في الوقت الذي انحسر مد حركة التجارة الحرة في وجه الكساد الاقتصادي الكبير في اوروبا. فقط في هولندا نجحت الحركة ضد براءات الاختراع نجاحا تاما وبين عامي 1869 و 1912 لم يصدروا أية براءات اختراع هناك. (27)

 

ورابعا أفضل أمثلة في ماضي التنمية الحديث هي دول شرقي آسيا التي استعملت أشكالا ضعيفة من حماية الملكية الفكرية وكيّفتها لظروفها الخاصة في تلك المرحلة من تنميتها. طوال المرحلة الحرجة من النمو السريع في تايوان وكوريا بين عامي 1960 و 1980، عندما تحوّلت اقتصادياتها تحوّلا لافتا للنظر، شددت الدولتان على أهمية التقليد والهندسة العكسية (28) على انها عنصر هام في تطوير تقنياتها المحلية وقدرتها الابتداعية. وفي عام 1961 تبنت كوريا تشريعات مترتبة على براءات الاختراع ولكن نطاق براءات الاختراع استثنى المواد الغذائية والمواد الكيماوية والادوية. كانت مدة براءاة الاختراع 12 عاما فقط. بعد ذلك في أواسط الثمانينات من القرن الماضي، ولا سيما نتيجة للعمل الذي قامت به الولايات المتحدة بموجب القسم 301 من قانون التجارة لعام 1974، قاموا بمراجعة قوانين براءات الاختراع، مع انها لم تكن قد بلغت بعد المستويات التي وضعتها اتفاقية "تريبس". جرت عملية مماثلة في تايوان. وفي الهند يعتبر اضعاف حماية الملكية الفكرية في الادوية في قانون براءات الاختراع لعام 1970 (29) عاملا مهما في النمو السريع اللاحق لصناعتها في الادوية وذلك كمنتجة ومصدرة للأدوية الرخيصة غير المحمية ببراءة (30) والمنتجات الوسيطة بالجملة. (31)

 

والدرس العام الذي يعلمنا اياه هو ان الدول قد تمكنت من تكييف أنظمة حقوق الملكية الفكرية لتسهيل التعلم التكنولوجي وتعزيز غاياتها الصناعية الخاصة. وبما ان السياسات في بلد ما تمسّ مسّا وثيقا مصالح الآخرين كانت هناك دوما أبعادا دولية للمناقشات حول الملكية الفكرية. اعترف ميثاقا باريس وبيرن بهذا البعد وبجاذبية المعاملة بالمثل ولكنهما أتاحا مرونة كبيرة في تصميم أنظمة الملكية الفكرية. وبقدوم اتفاقية "تريبس" أزيل قسم كبير من تلك المرونة. لم يعد بامكان الدول السير في المسار الذي سلكته سويسرا او كوريا او تايوان في تنميتها. عملية التعلم التكنولوجي والتقدم من التقليد والهندسة العكسية الى توطيد قدرة ابداعية أهلية حقيقية يجب القيام بها الآن بشكل مختلف عن الماضي.

 

الأدلة حول تأثير الملكية الفكرية

 

سياق الكلام

 

تحليل الأدلة المتوفرة حول تأثير أنظمة حقوق الملكية الفكرية على الدول المتقدمة والدول النامية هو عملية معقّدة. ومثلما نوّهنا اعلاه، لا نريد ان نركّز على حقوق الملكية الفكرية على انها غاية بحد ذاتها بل على كيف يمكنها ان تساهم في التنمية وفي تقليل الفقر. ونحن نعتقد انه من الشروط المسبقة للتنمية القابلة للاستمرار والدوام في أي بلد هو تطوير قدرة علمية وتكنولوجية أهلية. انه ضروري للسماح للدول لتطوير عمليتها الخاصة في الابتداع التكنولوجي والسماح لها بامتصاص بفعالية التكنولوجيات التي تم تطويرها في الخارج. ومن البديهي ان تطوير مثل تلك القدرة يعتمد على عدد كبير من العوامل. فهو يحتاج الى نظام تعليمي فعال، لا سيما على المستوى الصناعي والحرفي، وعلى شبكة من المؤسسات الداعمة والبنيات القانونية. وهو يتطلب أيضا توفر الموارد المالية، العامة والخاصة على حد سواء، للسعي وراء التطوير التكنولوجي. وهناك عوامل أخرى عديدة تساهم في ما يعرف كثيرا بـ "أنظمة الابداع الوطنية".

 

وعند النظر اليها من هذا الزاوية فان المسألة هي هل يمكن لحقوق الملكية الفكرية ان تساهم في ترويج أنظمة قومية فعالة للابتداع من حيث المبدأ، وبالنظر الى التفاوتات الحالية الواسعة في القدرة العلمية والتكنولوجية الأهلية، كيف يمكنها ان تقوم بذلك بفعالية في الممارسة، آخذين بعين الاعتبار الظروف في الدول المعيّنة. وعلاوة على ذلك، بما اننا لسنا مهتمين فقط بالأثر الديناميكي لحقوق الملكية الفكرية في تشجيع الابتداع بل أيضا في الكلفة التي تفرضها حماية الملكية الفكرية على المجتمع، ولا سيما على الفقراء، علينا ان نأخذ بعين الاعتبار تلك التكاليف عند دراسة الأدلة وقيمة أي نظام معيّن من أنظمة الملكية الفكرية.

 

والقدر الكبير من الأدلة حول حقوق الملكية الفكرية هو اما غير مباشر او مبني على أساس تدابير بالوكالة. لا يمكننا ان نقيس مباشرة قدرة بلد على الابتداع (مثلا، يمكننا ان نستخدم النفقات المبذولة عادة على الأبحاث والتطوير او النفقات المتعلقة بالابتداع بمثابة توكيل). ولا يمكننا ان نقيس مباشرة قوة حماية براءات الاختراع في بلد ما (مع انه قد جرى جمع مؤشرات باستعمال مزيج من التوكيلات). فاستعمال القياسات الاقتصادية التي تحاول عزل التأثير المستقل لحقوق الملكية الفكرية على المتغيرات الاقتصادية، كثيرا ما يطعن فيه ولا سيما ان كانت تظهر فيه الترافقية بدلا من التسببية. مثلا، بعض السلطات تحاور بأن غياب حماية الملكية الفكرية يشجّع نقل التكنولوجيا والتعلم التكنولوجي (عن طريق النسخ والتقليد). والآخرون يحاورون بالقول ان حماية الملكية الفكرية هي آلية تشجّع تحويل التكنولوجيا من الخارج وذلك عن طريق الاستثمار المباشر او الترخيص وان التأثيرات غير المباشرة هي وسيلة فعالة للتعلم التكنولوجي. والتقرير أين تقع الحقيقة هي مسألة صعبة بالنسبة لواضعي السياسة.

 

تأثير اعادة التوزيع

 

الدول النامية، اذا أخذناها ككل، هي مستوردة خالصة للتكنولوجيا التي تزود القدر الكبير منها الدول المتقدمة. تملك المنظمات في الدول المتقدمة النسبة الساحقة من حقوق براءات الاختراع في كافة أنحاء العالم. لقد جرى بناء نماذج قياسات الاقتصاد لتقدير ما سيكون الأثر العالمي من تطبيق اتفاقية "تريبس" (أي عولمة المقاييس الدنيا لحماية الملكية الفكرية). والتقدير الأخير الذي قام به البنك العالمي يوحي بأن معظم الدول المتقدمة ستكون الدول المستفيدة الكبرى من اتفاقية "تريبس" من حيث تعزيز قيمة براءات الاختراع التي تملكها وتقدّر الفائدة بالنسبة للولايات المتحدة بمبلغ سنوي قدره 19 مليار دولار أمريكي. (32) اما الدول النامية وعدد قليل من الدول المتقدمة فستكون الخاسرة. اما الدولة التي ستتكبد أكبر الخسائر في الدراسة التي قام بها البنك العالمي فهي كوريا التي ستبلغ خسائرها مبلغا قدره 15 مليار دولار. يجب ان لا نقرأ الشيء الكثير في القيمة الدقيقة لتلك الأرقام، التي تعتمد على عدد من الافتراضات القابلة للجدل، ولكن يمكننا ان نقول بثقة بأن تأثير تطبيق حقوق براءات الاختراع على الصعيد العالمي سيفيد استفادة كبيرة حاملي براءات الاختراع، الموجودين بصورة رئيسية في الدول المتقدمة، وذلك على حساب مستعملي التكنولوجيات والبضائع المحمية ببراءات الاختراع في الدول النامية. وبين عامي 1991 و 2001 ارتفع فائض الولايات المتحدة الصافي من الجعالات (المتعلقة بصورة رئيسية بمعاملات الملكية الفكرية) من 14 مليار دولار الى أكثر من 22 مليار دولار. (33) وفي عام 1999 أشارت الأرقام من البنك العالمي الى عجز بالنسبة للدول النامية المتوفرة لها أرقام بلغ قدره 5ر7 مليار دولار على الجعالات ورسوم الترخيص. (34)

 

النمو والابتداع

 

يجب ان لا نندهش من معرفة ان تمديد حقوق الملكية الفكرية من شأنه ان يفيد الدول المتقدمة وهو يفسّر لماذا قامت الصناعة في الدول المتقدمة بالضغط لتبني اتفاقية "تريبس". ولكن الحسابات الواردة اعلاه تأخذ بعين الاعتبار فقط جانب الكلفة من معادلة حقوق الملكية الفكرية بالنسبة للدول النامية. فاذا كان لحقوق الملكية الفكرية ان تفيد الدول النامية يجب ان تأتي عن طريق تشجيع الاختراع والابتداع التكنولوجي وبالتالي تعزيز النمو.

 

وعلى مستوى الدول يبدو ان هناك قدرا قليلا من الأبحاث في الدول النامية تربط مباشرة بين نظام الملكية الفكرية والابتداع المحلي والتنمية. وثمة طريقة شائعة في المانيا وفي دول شرقي آسيا (بما فيها الصين) تنطوي على استحداث نماذج منفعية سهل الحصول عليها (او براءات اختراع ثانوية) تجمع بين مستوى منخفض من الابتداع مع التسجيل بدلا من الفحص ومع فترة حماية قصيرة الأمد. (35) وعندما جرى استحداثها في ألمانيا في عام 1891 وفّرت تلك البراءات حماية مدتها ثلاث سنوات (قابلة للتجديد لمدة ثلاث سنوات أخرى) ومع حلول الثلاثينات من القرن الماضي بلغ عدد البراءات المنفعية الممنوحة ضعف تلك التي خضعت للفحص. (36) والدراسات التي جرت على نظام براءات الاختراع في اليابان بين عامي 1960 و 1993 أوحت بأن النماذج المنفعية مهمة أكثر من براءات الاختراع في الحث على نمو الانتاجية. (37) وهناك أيضا بعض الأدلة تنسب الابتداع في قطاعات معينة في البرازيل والفيليبين الى نماذج منفعية من هذا القبيل. (38) وفي اليابان توحي الأدلة بأن نظام من الحماية "الضعيفة" مبني على أساس النماذج المنفعية والتصاميم الصناعية سهّل الابتداع التدرّجي من قبل الشركات الصغيرة وسهّل امتصاص التكنولوجيا وانتشارها. ونسبوا ذلك كما هو الحال بالنسبة الى تايوان وكوريا الى غياب حماية براءات الاختراع للمواد الكيماوية والادوية. أدخلت اليابان الحماية للمنتجات السابقة الذكر في عام 1976 فقط. (39)

 

هناك أدلة أكثر حول تأثير حماية براءات الاختراع في الدول المتقدمة. يبدو ان تلك الأدلة تشير الى ان الشركات الكبرى تعتبر حماية براءات الاختراع ذات أهمية بالغة في قطاعات معيّنة (مثلا قطاع الادوية) ولكن في العديد من القطاعات لا تعتبر مسببات مهمة للابتداع. (40) وعلاوة على ذلك يبدو ان براءات الاختراع قلما يجري استعمالها من قبل الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم في معظم القطاعات في عدد كبير من الدول المتقدمة كوسيلة لترويج ابتداعاتها او كمورد لمعلومات فنية مفيدة. ولكن هناك استثناء هام وهو قطاع الادوية الحيوية حيث كثيرا ما تنظر الشركات الى براءات الاختراع بمثابة مصدر قوة هام في أعمالها. (41) وهناك دراسة كبيرة جرى القيام بها في الآونة الأخيرة في المملكة المتحدة استخلصت الى القول بأن "أنظمة الملكية الفكرية الرسمية قابلة للتطبيق فقط على نسبة صغيرة من نشاطات الشركات مثل شركات الانتاج الكبرى." أساليب الحماية غير الرسمية الأخرى وأساليب الحصول على المعلومات الفنية كانت عموما أكثر فعالية بالنسبة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة الحجم. (42)

 

المسألة المهمة من وجهة نظرنا هي الى أي مدى يمكن لحقوق الملكية الفكرية ان تشجّع النمو. الأدلة التي اطلعنا عليها لا توحي بوجود تأثير مباشر قوي على النمو الاقتصادي في الدول النامية. (43) وقد وجدت دراسة أخيرة ان كل ما كان الاقتصاد منفتحا (على التجارة) كلما أثرت حقوق براءات الاختراع على النمو. وبموجب هذا التحليل ففي الاقتصاد المنفتح يمكن لحقوق براءات الاختراع القوية ان تزيد نسب النمو بنسبة 0.66% سنويا. (44) ولكن هناك بعض النقاش حول التسببية لأن كل من الانفتاح على التجارة وقوة نظام حقوق الملكية الفكرية ينـزعان الى التزايد بأي حال مع دخل الفرد.

 

وتوحي الأدلة الأخرى بأن قوة حماية براءات الاختراع تزداد مع النمو الاقتصادي ولكن ذلك لا يحدث حتى ترتفع مستويات دخل الفرد ارتفاعا كبيرا. وفي الواقع، قبل تقوية قوانين الملكية الفكرية عالميا مؤخرا، كانت هنالك علاقة ملحوظة ثابتة معقولة بين قوة حقوق الملكية الفكرية ودخل الفرد. وفي مستويات الدخل المنخفضة كانت الحماية عالية (الأمر الذي يعكس تأثير الاستعمار الغابر) ومن ثم يهبط الى نقطة منخفضة من الحماية الضعيفة لما يبلغ دخل الفرد حوال 2000 دولار أمريكي (بالأسعار السائدة عام 1985). وتبقى هذه النقطة الضعيفة على ما هي عليه حتى يبلغ دخل الفرد حوالي 8000 دولار أمريكي عندما تبدأ قوة الحماية بالازدياد من جديد. هذا الترابط ليس تسببيا بالضرورة ولكنه يشير بأنه حتى يبلغ دخل الفرد مستويات عالية نسبيا لا تعتبر حماية الملكية الفكرية ذات أولوية عالية في سياسة الدول النامية. (45)

 

لربما كانت أبسط الأدلة على تأثير نظام الملكية الفكرية هي مقدار استعمالها ولا سيما من قبل المواطنين. الميل الى تسجيل براءات الاختراع من شأنه ان يعكس بعض الحكمة بالنسبة للفوائد وان تكن هي الفوائد الخاصة بدلا من الفوائد الاجتماعية. في دول افريقيا جنوب الصحراء (باستثناء جنوب أفريقيا) جرى منح 35 براءة اختراع الى المقيمين بالمقارنة بـ 741 براءة اختراع الى غير المقيمين. في الولايات المتحدة بلغت الأرقام المقابلة 80292 و 67228. (46)

 

وتبدو الخلاصة الرئيسية بأنه بالنسبة لتلك الدول النامية التي حصلت على قدرات تكنولوجية وابتداعية ذات شأن هناك ترابط مع الأشكال "الضعيفة" بدلا من "القوية" من حماية الملكية الفكرية في الفترة البدائية من تنميتها الاقتصادية. وهكذا فاننا نخلص الى القول انه في معظم الدول المنخفضة الدخل وذات البنية التحتية العلمية والتكنولوجية الضعيفة فان الحماية على المستويات التي تتطلبها اتفاقية "تريبس" ليست مقررا هاما للنمو. بالعكس، فان النمو السريع كثيرا ما يكون مترابطا مع حماية ضعيفة للملكية الفكرية. وفي الدول النامية المتقدمة تكنولوجيا هناك بعض الأدلة بأن حماية الملكية الفكرية تصبح مهمة في مرحلة من مراحل نموها ولكن تلك المرحلة لا تبلغها الدولة الا عندما تصبح في فئة الدول النامية ذات الدخل المتوسط العالي.(47)

 

التجارة والاستثمار     

 

على الرغم من أنه من الصعب معرفة التأثير المباشر على النمو فقد بذلت جهود جمة في معرفة تأثير تغيير حقوق الملكية الفكرية على التجارة والاستثمار الأجنبي. نحن لا نجد مثل ذلك العمل مفيدا لدراستنا. الشيء الكثير منه لا يخاطب تأثير حقوق الملكية الفكرية على الدول النامية بل يركّز بدلا من ذلك على مسألة كيف يمكن لصادرات واستثمارات الدول المتقدمة ان تتأثر من تقوية حقوق الملكية الفكرية في الدول النامية. الاسلوبان هذان في النظر بالموضوع ليسا متشابهين.

 

مثلا، تبيّن بعض الدراسات بأن حقوق براءات الاختراع القوية في الدول النامية من شأنها ان تزيد زيادة كبيرة الواردات من الدول المتقدمة (او في الواقع من الدول النامية الأخرى). (48) والحجة ان بعض الواردات هي شكل من أشكال تحويل التكنولوجيا (مثلا، للواردات من المعدات ذات التكنولوجيا العالية تأثير مستقل على الانتاجية). ولكن تقوية حقوق الملكية الفكرية تؤثر أيضا بصورة خاصة على زيادة الواردات من المواد الاستهلاكية ذات التكنولوجيا المنخفضة وهي مترابطة مع الهبوط في الصناعات الأهلية المبنية على أساس التقليد. (49) وهكذا من الواضح بأن هذا التأثير هو نعمة متفاوتة بالنسبة للدولة النامية. قد تتوفر الامكانية للحصول على مقدار أكبر من واردات التكنولوجيا العالية ولكن لم تستخدم في السابق بسبب الافتقار الى حماية براءات الاختراع ولكن التكاليف يمكن ان تكون باهظة من حيث فقدان الانتاج والعمل او حتى تأخير النمو. هذه معضلة حقيقية جدا ولا سيما في بعض الدول مثل الصين. وتوحي تلك الدراسات بأن الدول ذات القدرة التكنولوجية الضئيلة قد تواجه انخفاضا في الواردات لأن قوانين براءات الاختراع تنـزع الى زيادة أسعار الواردات على المتوسط وبالتالي تخفّض القدرة على الاستيراد. وفي الماضي كانت الدول تحمي نفسها من التأثيرات المناوئة المحتملة لزيادة الواردات على الصناعة المحلية وذلك عن طريق تدابير تتعلق بالعمل الاجباري لبراءات الاختراع مثل ما فعلت سويسرا في القرن التاسع عشر.

 

وبالنسبة لتحليل تأثيرها على الاستثمار الأجنبي لدينا تحفّظات مشابهة. هناك دراسات كثيرة تبحث في مدى تأثير حقوق الملكية الفكرية القوية على الاستثمار الأجنبي وعلى الترخيص ونقل التكنولوجيا. يصل القسم الكبير من تلك الدراسات الى نتائج مؤقتة فقط بسبب مواطن الضعف في المعلومات او اسلوب العمل (الميثودولوجيا). (50) وعدد كبير من الدراسات يطرح السؤال كيف يمكن لتقوية حقوق براءات الاختراع في الدول النامية ان تؤثر على الاستثمار والانتاج وسلوك الترخيص الذي تمنحه الشركات الأمريكية المتعددة الجنسيات في الدول النامية. مثلا، من الخلاصات التي توصلت اليها احدى الدراسات الأخيرة ولكنها خلاصة نموذجية للأخرى المتعاطية مع معطيات مشابهة، هي ما يلي:

 

"...توحي تلك النتائج بأنه فيما لو قامت دولة نامية عادية بتقوية مؤشر براءات الاختراع لديها بنسبة وحدة واحدة، فان المبيعات المحلية للمؤسسات الأمريكية الفرعية ترتفع بنسبة ... حوالي 2% من معدل المبيعات السنوية... ارتفاع وحدة واحدة في مؤشر براءات الاختراع للدولة النامية العادية من شأنه ان يرفع مخزون الموجودات للشركات الأمريكية المتعددة الجنسيات الفرعية ... حوالي 16% من متوسط مخزون الموجودات." (51)

 

بالنسبة لواضعي السياسة في الدولة النامية قد يختلف هيكل الأسئلة نوعا ما. قد يريد هؤلاء ان يعلموا انه فيما لو جرت تقوية حقوق الملكية الفكرية هل من المحتمل ان يؤثر ذلك على النمو الاقتصادي وعلى العمل والاستثمار والأبحاث والتطوير في القطاع الخاص وعلى حرية الحصول على التكنولوجيا الأجنبية وعلى الابتداع المحلي وعلى الصادرات (وكذلك على الواردات). هناك قلة من الدراسات التي تخاطب مباشرة تلك المسائل المهمة جدا لواضعي السياسة في الدول النامية ناهيك عن الوصول الى خلاصات حاسمة عن تأثير حقوق الملكية الفكرية.

 

الواضح من الدراسات هو ان حقوق الملكية الفكرية القوية وحدها لا توفر الحوافز الضرورية او الكافية للشركات للاستثمار في دول معيّنة. فان كان هذا هو الحال لن تكون الدول الكبيرة التي تتمتع بنسب نمو عالية ولكن أنظمة ضعيفة لحقوق الملكية الفكرية قد تلقت استثمارات أجنبية واردة كبيرة في الماضي وحتى في الوقت الحاضر. وهذه تشمل الكثير من دول شرقي آسيا وأمريكا اللاتينية التي تلقت معظم تلك الاستثمارات. (52) فاذا تمت مواجهة المسألة من حيث ماهية العوامل المهمة أكثر من غيرها في تقرير الاستثمار الأجنبي فمن العادي ان تحذف حقوق الملكية الفكرية تماما. مثلا، التقارير الواردة من المؤسسات والهيئات الدولية حول تدفق الاستثمار لم تأت قطعيا على ذكر حقوق الملكية الفكرية على انها عامل في ذلك. تشمل تلك التقارير، مثلا، تقرير البنك العالمي على أموال التنمية العالمية 2002 (53) وتقرير زيديللو عن تمويل التنمية. (54) وكذلك، فان مسودة تقرير أخير للبنك العالمي حول تحسين جو الاستثمار في الهند لا يذكر قطعيا أي دور لحقوق الملكية الفكرية. (55)

 

مثل ما نوّهنا هناك بعض الأدلة بأنه بالنسبة لبعض الصناعات (مثل المواد الكيماوية) وبالنسبة لبعض النشاطات (مثل الأبحاث والتطوير) يمكن ان تشكّل حقوق الملكية الفكرية عاملا هاما في القرار الذي تتخذه الشركات للاستثمار. (56) ولكن قرار الاستثمار يتوقف على عوامل عديدة. بالنسبة للصناعات ذات التكنولوجيا المنخفضة من النوع الذي من المحتمل ان تستقطبه الدول النامية الأقل تقدما تكنولوجيا فمن غير المحتمل ان تشكل حقوق الملكية الفكرية عاملا هاما في قرار الاستثمار. ولكن عندما تكون التكنولوجيات متطورة ولكن من السهولة نسبيا نسخها عندئذ يمكن لحقوق الملكية الفكرية ان تشكّل عاملا هاما، ولكن ليس بالضرورة، في قرارات الاستثمار اذا كانت لدى الدولة المعنية قدرة علمية للنسخ وسوق كبيرة بما فيه الكفاية لتبرير تكاليف تسجيل براءات الاختراع وتطبيقها وكانت العوامل ذات الصلة الأخرى مؤاتية. ولكن في الحالات الأخرى فقد كان استحداث حماية الملكية الفكرية مترابطا، مثل ما ذكرنا اعلاه، مع زيادة في الواردات بدلا من الاستثمار في الانتاج المحلي. وأخيرا، في الصناعات ذات التكنولوجيا العالية وبالنسبة للدول ذات القدرات التكنولوجية المتقدمة، قد يختار أصحاب التكنولوجيا ان يرخصوا تكنولوجياتهم، المحمية بنظام الملكية الفكرية، بدلا من الاستثمار مباشرة في الانتاج. وهكذا فان الحقوق القوية قد تردع تدفق الاستثمار ولكن تسهّل تحويل التكنولوجيا بموجب ترخيص، وهو موضوع سنتطرق اليه في القسم التالي.

 

وهكذا نحن نستخلص ما يلي من الدراسات الحالية:

 

·                   هناك بعض الأدلة التي تشير بأن تدفق التجارة في الدول النامية يتأثر بقوة حماية الملكية الفكرية ولا سيما في تلك الصناعات (عادة التكنولوجيا العالية) التي تكون "حساسة من حيث حقوق الملكية الفكرية" (مثلا، المواد الكيماوية والادوية) ولكن الأدلة ليست واضحة تماما.

·                   يمكن لتلك التدفّقات ان تساهم في القدرة الانتاجية. ولكن يمكنها ان تكون على حساب الانتاج المحلي والعمل في "النسخ" المحلي والصناعات الأخرى. ويمكن للدول النامية ذات البنية الاساسية التكنولوجية المعدومة او الضعيفة ان تتأثر تأثرا ضارا من جراء الأسعار العالية التي يفرضها استيراد البضائع المحمية بالملكية الفكرية.

·                   لا توجد أدلة على ترابط الاستثمار الأجنبي ترابطا ايجابيا مع حماية الملكية الفكرية في معظم الدول النامية.

·                   وبالنسبة للدول النامية المتقدمة تكنولوجيا يمكن ان تكون حقوق الملكية الفكرية مهمة لتسهيل الوصول الى التكنولوجيات العالية المحمية وذلك عن طريق الاستثمار الأجنبي او الترخيص.

·                   وتحقيق التوازن الصحيح قد يكون صعبا بالنسبة لبعض الدول مثل الهند او الصين حتى لدى بعض الصناعات التي فيها الامكانية من الاستفادة بحماية الملكية الفكرية، ولكن التكاليف الملازمة لذلك بالنسبة لبعض الصناعات التي تأسست تحت أنظمة ضعيفة من أنظمة الملكية الفكرية وبالنسبة للمستهلكين قد تكون عالية.ومعظم الأدلة المتعلقة بدور الملكية الفكرية في التجارة والاستثمار تتعلق بتلك الدول النامية المتقدمة تكنولوجيا أكثر من غيرها. اما بالنسبة للدول النامية الأخرى فاننا نستخلص الى القول بأن أية فوائد تجارية واستثمارات من غير المحتمل ان تفوق قيمة التكاليف على الأقل في الأمد القصير والمتوسط.

 

نقل التكنولوجيا

 

من ناحية فان المسألة الحرجة بالنسبة للملكية الفكرية ليست ما اذا كانت الملكية الفكرية تشجّع التجارة او الاستثمار الأجنبي بل كيف تساعد او تعيق الدول النامية على الوصول الى التكنولوجيات اللازمة لتنميتها. فاذا قام مورّد للتكنولوجيا الأجنبية بترخيص الانتاج الى شركة محلية بدلا من قيامها بتأسيس مصنع محلي للانتاج فتكون البلد قد استقطبت قدرا قليلا من الاستثمار الأجنبي. ولكن قد تكون النتيجة على العموم مفيدة للاقتصاد المحلي بسبب المساهمة غير المباشرة في القدرات التكنولوجية المحلية. فاذا ازدادت الواردات من التكنولوجيا العالية نتيجة لتقوية أنظمة الملكية الفكرية، يمكن تحقيق نقل في التكنولوجيا (مثلا، بشكل سلع انتاجية) ولكن لا يوجد أي ضمان من أن الاقتصاد المحلي يمكنه امتصاص تلك التكنولوجيا واعتمادها كأساس للمزيد من الابتداع. وهكذا قد لا يكون نقل التكنولوجيا قابلا للدوام والاستمرار. بدلا من ذلك، وكما رأينا، قد تستخدم بعض الدول أنظمة الملكية الفكرية الضعيفة كوسيلة للحصول على التكنولوجيات الأجنبية وتطويرها عن طريق الهندسة العكسية وبالتالي تعزيز قدرتها التكنولوجية الأهلية. تطبيق اتفاقية "تريبس" الآن تقيّد قدرة الدول النامية على اتباع هذا المسار.

 

ولكن مقرّرات النقل الفعال للتكنولوجيا هي عديدة ومتنوّعة. وقدرة الدول على امتصاص المعرفة من أماكن أخرى ومن ثم استغلالها وتكييفها لأغراضها الخاصة هي أيضا مسألة ذات أهمية كبيرة. هذه الميزة تتوقف على تنمية القدرات المحلية عن طريق التعليم والأبحاث والتطوير وتطوير المؤسسات المناسبة التي بدونها حتى نقل التكنولوجيا بموجب أفضل الشروط من غير المحتمل ان ينجح. ويحتاج نقل التكنولوجيا أيضا الى نقل المعرفة "الضمنية" التي لا يمكن تشفيرها بسهولة (مثلا كما هو الحال بالنسبة للافصاحات المحمية ببراءاة او كتيبات تعليمات التشغيل). ولهذا السبب حتى أفضل البرامج تصميما الهادفة الى تعزيز القدرة الوطنية للأبحاث والتي تمولها الدول المانحة لم تتكلل دائما بالنجاح. وحيث ان العديد من التكنولوجيات التي تهم الدول النامية تنتجها منظمات في الدول المتقدمة فان حيازة تلك التكنولوجيا تحتاج الى القدرة على التفاوض بفعالية بناء على فهم لمجال التكنولوجيا المعني. تتطلب تلك العملية اسلوبا حازما من جانب الجهة المتلقية للتكنولوجيا للحصول على القدرات البشرية اللازمة وعلى المؤسسات المناسبة. هناك دول مثل كوريا بدأت من مستوى متدني من البراعة التكنولوجية قبل أربعين عاما، بالنسبة لعدد كبير من الدول ذات الدخل المحدود في هذه الأيام، ولكنها قد أصبحت الآن دولة مبتدعة بحد ذاتها.

 

هذه الناحية من عملية نقل التكنولوجيا هي الى حد كبير بين أيدي الدول النامية نفسها. ولكن هذا لا يعني ان الدول المتقدمة او السياسات الدولية على وجه العموم لا يمكنها تسهيل تلك العملية او اعاقتها. تعترف اتفاقية "تريبس" في المادة 7 بأنه يتعيّن على حقوق الملكية الفكرية ان تساهم في "نقل ونشر التكنولوجيا" ولكنها تنص في المادة 8 بأنه قد تكون هناك حاجة الى اتخاذ تدابير لمنع انتهاك حقوق الملكية الفكرية التي "تؤثر تأثيرا ضارا على التحويل الدولي للتكنولوجيا." وتنص المادة 40 على اجراءات لمنع الممارسات غير التنافسية في التراخيص التعاقدية. والمادة 66-2 تلزم الدول المتقدمة على توفير الحوافز لشركاتها ومؤسساتها من أجل قيام تلك الدول بنقل التكنولوجيا الى الدول الأقل نموا لكي "تمكّنها من تأسيس قاعدة اقتصادية سليمة وقابلة للاستمرار." تعكس تلك التدابير الواردة في اتفاقية "تريبس" بعض التدابير الواردة في مسودة المدونة الدولية للمارسة الخاصة بنقل التكنولوجيا والتي فشلت فيها المفاوضات بين الدول النامية والدول المتقدمة في الثمانينات من القرن الماضي (57). 

 

تغيّر الاقتصاد العالمي منذ ذلك الحين. والجدير بالذكر ان السياسات الاقتصادية حول العالم قد تغيّرت من الاستعاضة عن الواردات والتصنيع الموجّه خلف حواجز التعرفة العالية باتجاه سياسات السوق المفتوحة التي تركز على الفوائد التي يمكن كسبها من التعرفة المنخفضة والمنافسة العالمية ومن دور أقل توجيها من قبل الحكومات في التنمية الاقتصادية. والصناعات المبنية على المعرفة والاتجار بالمنتجات ذات التكنولوجيا العالية قد نمت بسرعة. وقد ازدادت أهمية الأبحاث والتطوير وقصرت دورات العمر العملي للمنتجات. وهكذا في هذه البيئة المتحررة والمنافسة لا يمكن للشركات في الدول النامية ان تتنافس على أساس استيراد التكنولوجيات "الناضجة" من الدول المتقدمة وانتاجها من وراء حواجز تعرفية. والشركات حذرة أكثر مما كانت سابقا من نقل التكنولوجيا في طرق يمكنها ان تزيد التنافس التي تواجهها.

 

وهكذا فان المشكلة ليست الآن مشكلة الحصول على مقدار أكبر او أقل من التكنولوجيات الناضجة بموجب شروط عادلة ومتوازنة بل هي مشكلة حرية الحصول على التكنولوجيات المتقدمة اللازمة لتتمكن الشركات من المنافسة في الاقتصاد العالمي في هذه الأيام. لقد قوّت اتفاقية "تريبس" الحماية العالمية التي توفرها لموردي التكنولوجيا ولكن ليس هناك اطار دولي لتأمين حصول نقل التكنولوجيا ضمن اطار تنافسي يخفّض الى الحد الأدنى ممارسات ترخيص التكنولوجيا المقيّدة التي كانت المدونة تعالجها.

 

نحن غير متأكدين كيف يمكن ملء تلك الفجوة في الاطار الدولي. اعادة المحادثات بخصوص مدونة للمارسات ليست خيارا قابلا للتطبيق في هذه البيئة المتغيّرة. ولكننا نعتقد انه بتشجيع الدول النامية ومساعدتها على اصدار أنظمتها القانونية للمنافسة يخدم مصالحها على نحو أفضل. وقد جرى البحث منذ مدة طويلة في أروقة منظمة التجارة الدولية في تطوير اطار لسياسة المنافسة الدولية. ونحن نتفهم تردد الدول النامية في المضي بهذا المسار ولكن تطوير قوانين المنافسة الوطنية والتعاون الدولي الفعال من شأنهما ان يعملا بمثابة ثقل موازن لتلك النواحي من اتفاقية "تريبس" التي تقيّد المنافسة على الصعيد العالمي وتعيق نقل التكنولوجيا في بعض الظروف.

 

وبالنسبة الى اتفاقية "تريبس" فان الأدلة توحي بأن التدابير الواردة في المادة 66-2 لم تكن فعالة. لا يبدو بأن الدول المتقدمة قد اتخذت تدابير اضافية لتشجيع نقل التكنولوجيا من قبل شركاتها ومؤسساتها. وعلاوة على ذلك، بما ان المادة تنطبق فقط على الدول الأقل نموا فهي تبدو مقيّدة أكثر مما ينبغي. ومثلما ذكرنا أعلاه، فهذه الدول هي دول من المحتمل ان تكون الى حد بعيد دولا ذات قدرة امتصاصية قليلة للتكنولوجيا. وهكذا فنحن لا نعتبر المادة 66-2 الوسيلة المناسبة لمواجهة المسألة الكاملة لنقل التكنولوجيا الى الدول النامية. وبالاضافة الى ذلك، بعض التدابير الواردة في اتفاقية "تريبس" والتي كانت تستخدم تاريخيا لنقل التكنولوجيا، مثل استعمال العمل الاجباري، قد تم تخفيفها بموجب اتفاقية "تريبس". وبما ان التكنولوجيا هي معظمها في أيدي خاصة واتفاقية "تريبس" تتعاطى بصورة رئيسية بحماية حقوق الملكية الفكرية بدلا من نقل التكنولوجيا، فنحن لسنا متأكدين ما اذا كانت اتفاقية "تريبس" او منظمة التجارة العالمية بوجه عام هي المنبر الصحيح للمباحثات حول نقل التكنولوجيا.

 

ولذلك نحن نرحب بتشكيل مجموعة العمل حول التجارة ونقل التكنولوجيا والتي سترفع تقريرها الى مؤتمر منظمة التجارة الدولية على المستوى الوزاري الذي سينعقد العام المقبل. (58) ونحن نقترح بأن تتضمن مداولاته دراسة ما اذا يمكن جعل اتفاقية "تريبس" تعمل بشكل أفضل كآلية واحدة لتشجيع نقل التكنولوجيا وما هي التدابير التي يمكن ان يكون مرغوبا بها لتأمين بأن نظام حقوق الملكية الفكرية يشجّع تحويل التكنولوجيا ولا يعيقه. ولكننا نرى بأن مجموعة التدابير المكملة والتي ستكون لازمة لتشجيع نقل التكنولوجيا على قدر متساو من الأهمية.

 

ومع ان معظم التكنولوجيا التطبيقية هي مملوكة ملكية خاصة فمن الأهمية ان نتذكر مدى دعم الانفاق العام على الأبحاث الأساسية والتطبيقية لعملية التطوير التكنولوجي. كثيرا ما نجد الآن بأن الانفاق العام في الدول المتقدمة له هدف واضح وهو تعزيز المنافسة الدولية، وعلى نحو متزايد، تسجيل مثل تلك الأبحاث ببراءة كما نبحث في الفصل السادس. وهكذا فان تمويل الأبحاث لا يكون عادة مربوطا بمواطني الدولة، وهو أمر نتفهمه، ولكن يمكن أيضا ان تكون الفوائد الناجمة عن مثل تلك الأبحاث مقيّدة بمواطني الدولة. مثلا، القانون في الولايات المتحدة يقيّد الى حد ما ترخيص التكنولوجيات الممولة من الأموال العامة بمواطني الولايات المتحدة، وهي سياسة منطقها العلمي والاقتصادي غير واضح. (59)

 

القدر الكبير من أجندة نقل التكنولوجيا هو خارج نظاق صلاحيتنا ولكننا نعتقد انه من الجدير أخذ التدابير التالية بعين الاعتبار بجدية وهي:

 

·                   توفير سياسات حافزة منافسة في الدول المتقدمة لتشجيع نقل التكنولوجيا، مثلا إعفاءات    ضريبية للشركات التي تعطي تراخيص لتكنولوجيتها الى الدول النامية.

·                   وضع سياسات للمنافسة الفعالة في الدول النامية.

·                   توفير مبالغ أكبر من الأموال العامة لتشجيع القدرات التكنولوجية والعلمية الأهلية في الدول النامية وذلك عن طريق التعاون العلمي والتكنولوجي. مثلا، تأييد تحالف الأبحاث العالمي المقترح (60) بين مؤسسات الأبحاث في الدول النامية والمتقدمة.

·                   أخذ تعهدات وضمان جعل فوائد الأبحاث الممولة من الأموال العامة متوفرة للجميع.

·                   وأخذ تعهدات وضمان قدرة وصول الجميع الى قواعد المعلومات العلمية.

 

________________________________________________________________________________

(1) الدور الدقيق للمعرفة والتغيير الفني كان موضوع نقاش بين علماء الاقتصاد، ولكن هذا هو الرأي المهيمن. وللحصول على المباحثات غير الفنية للمناقشة المرجو مراجعة البنك العالمي (1991) "تقرير التنمية العالمية 1998-1999: المعرفة من أجل التنمية"، البنك العالمي، واشنطن دي سي، الصفحات 18-22. المصدر: http://www.worldbank.org/wdr/wdr98/ 

(2) البنك العالمي (1999)، الصفحة 20

(3) K. Maskus   (2000أ) "حقوق الملكية الفكرية في الاقتصاد العالمي"، معهد الاقتصادات العالمية، واشنطن دي سي، الصفحات 73-79.

(4) E. Mansfield (1986) "براءات الاختراع والابتداع"، علم الادارة، المجلد 32:2 الصفحات 173-181.

(5) S. Radovesic  (1999) "نقل التكنولوجيا الدولية واللحاق بالتنمية الاقتصادية"، الغار، تشلتنهام الصفحة 242. وأيضا K. Saggi. (2000) "التجارة والاستثمار الأجنبي المباشر ونقل التكنولوجيا الدولية: دراسة"، البنك العالمي، واشنطن دي سي (المصدر: http://www1.worldbank.org/wbiep/trade/papers2000.saggiTT-fin.pdf) ، N. Rosenberg (1982)

"داخل الصندوق الأسود؛ التكنولوجيا والاقتصاد"، دار جامعة كيمبريدج للنشر، كيمبريدج.

(6) راجع ملخص الأسماء للحصول على تفسير لمعاهدة التعاون في براءات الاختراع

(7) اشتملت تلك الدول النامية التي منحت أكثر من 50 براءة اختراع أمريكية في عام 2001 على ما يلي: الصين 266، الهند 179، جنوب أفريقيا 137، البرازيل 125، المكسيك 87، الأرجنتين 58، ماليزيا 56. وتلقت الصين (تايوان) 6545 وكوريا 3763 ولكن هاتان الدولتان ليستا دولا نامية حسب تصنيف البنك العالمي. ويفيد حسابنا بأن 1560 براءة اختراع أمريكية منحت الى الدول النامية الواردة في لائحة البنك العالمي من بين 184057 براءة اختراع منحت في عام 2001. المصدر: all.pdf http://  www.uspto.gov/web/offices/ac/ido/oeip/taf/cst

(8) المعلومات وفرتها لنا المنظمة العالمية للملكية الفكرية. 4816 طلب لبراءة الاختراع بين عامي 1999-2001 أتت من تلك الدول الخمسة من بين 5014 طلبا تقدمت بها الدول النامية. وبلغ مجموع الطلبات بين عامي 1999-2001 مجموع  268918 طلبا. وكانت كل من كوريا (4622 طلبا) و سنغافورة (640 طلبا) أيضا من المقدمين الكبار  لطلبات تسجيل البراءات.

(9) راجع تلخيص الأسماء للتعريف.

(10) J. Stiglitz "المعرفة كصالح عام عالمي"، في Kaul، I. Grunberg، و M. Stern. (المحررين) (1999) "الصالح العام العلمي في القرن العشرين: التعاون الدولي في القرن العشرين/ دار جامعة اكسفورد للنشر، اكسفورد.

(11) نبحث في هذه المواضيع بتفصيل أكثر في الفصل السادس.

(12) تجربة الاقتصادات "الناشئة" مثل كوريا توحي بأنه في بادىء الأمر يتخذ القطاع العام مركز القيادة ومن ثم لما يصبح القطاع أكثر ابتداعا يتجه القطاع الخاص الى الهيمنة. وهكذا نجد في كوريا بأن معظم براءات الاختراع الأمريكية يستصدرها القطاع الخاص ولا سيما في مجال الالكترونيات. وفي الهند لا يزال القطاع العام هو القطاع المسيطر ولكن هناك مؤشرات تشير الى ازياد النشاط في طلب براءات الاختراع من قبل القطاع الخاص. مثلا في عام 2001، منحت شركتان من قادة شركات الادوية في الهند 11 براءاة اختراع في الولايات المتحدة بالمقارنة ب 58 براءة اختراع للمجلس الهندي للأبحاث العلمية والصناعية.  المصدر: stc.htm  http://www.uspto.gov/web/offices/ac/ido/oeip/taf/asgstc/inx

(13) E. Penrose (1951) "اقتصادية نظام براءات الاختراع الدولي"، دار جون هوبكينز للنشر، بولتيمور، الصفحات 116-117.

(14) F. Machlup. (1958) "مراجعة اقتصادية لنظام براءات الاختراع"، مكتب الحكومة الأمريكية للطباعة،واشنطن دي سي، الصفحة 80.

(15) L. Thurow (1997) "مطلوب: نظام جديد لحقوق الملكية الفكرية"، مراجعة هارفارد للأعمال، سبتمبر/أيلول-اكتوبر/تشرين الأول 1997، الصفحة 103. المصدر:

home.jhtm  http://harvardbusinessonlime.hbsp.harvard.edu/b01/en/hbr/hbr   

(16) L. Lessig. (1999) "المشكلة مع براءات الاختراع"، مقياس الصناعة، 23 أبريل/نيسان 1999. المصدر:

http://www.thestandard.com/article/display/0,1151,4296.html

(17) J. Sachs "الفرق العالمي في الابتداع"، في A. Jaffe،  J. Lerner. و S. Stern، محررون (آت قريبا) "سياسة الابتداع والاقتصاد: المجلد 3، دار ام آي تي للنشر، كيمبريدج، ماساتشوستس. المصدر:

http://www.nber.otg/books/innovation3/

(18) راجع تلخيص الأسماء للتعريف.

(19) تلخّص وثيقة مقدمي العريضة قضيتهم كما يلي: "هذه التمديدات الشاملة المتكررة لمدد حقوق النشر والتأليف القائمة حاليا تتجاوز صلاحيات الكونغرس بموجب مادة حقوق النشر والتأليف، لأنها تنتهك متطلب "الأوقات المجدودة" ولأنها تنتهك متطلب "الأصالة" التي تتطلبها هذه المحكمة. وهي تنتهك متطلب "الأوقات المحدودة"، اولا، لأن المدد  المعرضة الى التمديدات الشاملة المتكررة ليست "محدودة"؛ وثانيا، لأن المدة الممنوحة الى عمل قائم حاليا لا "تشجّع تقدم العلوم"؛ وثالثا، لأن منح مدة أطول لأعمال قائمة حاليا تنتهك متطلب المعاملة بالمثل في مادة حقوق النشر والتأليف والذي يقضي بمنح حقوق الاحتكار في مقابل الفائدة العامة." المصدر:

http://eon.law.harvard.edu/openlaw/eldredvashcroft/supct/opening-brief.pdf

(20) المصدر: http://www.myoutbox.net/poar1858.htm

(21) راجع تلخيص الكلمات للتعريف.

(22) F..Machlup و E. Penrose. (1950) "الجدل حول براءات الاختراع في القرن التاسع عشر". مجلة التاريخ الاقتصادي، المجلد 1:10، الصفحة 20.

(23) مع ان فاحصي براءات الاختراع قد يتساءلوا ما اذا كان منح براءة الاختراع "يترك أي شيء لحكمة المرء".

(24) Machlup و Penrose (1950)، الصفحة 24.

(25) Penrose (1951) الصفحات 120-124.

(26) العمل الاجباري فرض الزاما مختلف الأنواع بموجب قانون براءات الاختراع يضمن بأن البضائع المحمية ببراءات الاختراع مصنوعة محليا وليست مستوردة من البلد حيث جرى فيه منح براءاة الاختراع.

(27) E. Schiff (1971) "التصنيع بدون براءات اختراع قومية": هولندا 1869-1919، سويسرا، 1850-1907"، دار جامعة برنستون للنشر، برنستون.

(28) راجع تلخيص الأسماء للتعريف.

(29) من بين أمور أخرى، ينص القانون على حماية العملية فقط (لمدة سبع سنوات )في مجال الأطعمة والعقاقير والمواد الكيماوية. وهذا يتيح المجال لعكس هندسة العقاقير المحمية ببراءة شرط ان تتبع في ذلك عملية صناعية مختلفة.

(30) راجع تلخيص الأسماء للتعريف.

(31) N. Kumar. (2002) "حقوق الملكية الفكرية، التنمية التكنولوجية والاقتصادية: خبرات الدول الآسيوية"، وثيقة خلفية للجنة 1ب، الصفحات 27-35. المصدر: http://www.iprcommission.org

(32) البنك العالمي (2001أ) "التوقعات الاقتصادية العالمية والدول النامية 2002: جعل التجارة تعمل لصالح فقراء العالم"، البنك العالمي، واشنطن دي سي، الصفحة 133. المصدر: http://www.worldbank.org/prospects/gep2002/

(33) وزارة التجارة الأمريكية، مكتب التحليل الاقتصادي، نشرات مختلفة

(34) البنك العالمي (2001ب) "مؤشرات التنمية العالمية 2001"، البنك العالمي، واشنطن دي سي، الجدول 5-11. المصدر: http://www.worldbank.org/data/wdi2001/

(35) راجع تلخيص الأسماء للحصول على تعريف للعبارات المستعملة في هذه الجملة.

(36) Z. Khan. (2002) "الملكية الفكرية والتنمية الاقتصادية: دروس من التاريخ الأمريكي والاوروبي"، وثيقة خلفية للجنة 1أ، لندن. الصفحة 16. المصدر: http://www.iprcommission.org

(37) K. Maskus و C. McDaniel (1999) "تأثير نظام براءات الاختراع الياباني على نمو الانتاجية". اليابان والاقتصاد العالمي، المجلد 11، الصفحات 557-574.

(38) S. Dahab . (1986) "التغيير التكنولوجي في صناعات الأدوات الزراعية البرازيلية"، اطروحة دكتوراه غير منشورة، جامعة ييل، نيو هيفن و K.  Mikkelsen (1984) "نشاط الاختراع في الصناعة الفيليبينية"، اطروحة دكتوراه غير منشورة، جامعة ييل، نيو هيفن.

(39) هذه مستمدة من Maskus و McDaniel (1999) و Kumar (2002).

(40) Mansfield (1986)

(41) S. Thomas "الملكية الفكرية في المشاريع التكنولوجية الحيوية الصغيرة والمتوسطة الحجم"، في بلاكبيرن، آر. (المحرر) (قيد الطباعة) "الملكية الفكرية وادارة الابتداع في الشركات الصغيرة"، راتليدج، لندن.

(42) خلاصات برنامج الأبحاث في الملكية الفكرية، المصدر: http://info.sm.umist.ac.uk/esrcip/background.htm

(43) راجع الأبحاث في Kumar (2002)، الصفحة 6 و في ماسكوس (2000أ)، الصفحة 169.

(44) D. Gould و W. Gruben. (1996) "دور حقوق الملكية الفكرية في النمو الاقتصادي"، مجلة اقتصادات التنمية، المجلد 48، الصفحات 323-350.

(45) راجع المباحثات في Maskus (2000أ)، الصفحات 102-109.

(46) احصائيات المنظمة العالمية للملكية الفكرية. المصدر: http://www.wipo.int

(47) دخل الفرد بين 2976 دولار أمريكي و 9205 دولار أمريكي في عام 2001، مجموعة الدول النامية في فئة الدخل المتوسط الأعلى حسب تصنيف البنك العالمي. المصدر: http:www.worldbank.org/data/countryclass/countryclass.html

(48) K. Maskus و M. Penubarti (1997) "ما هو مدى علاقة حقوق الملكية الفكرية بالتجارة؟" مجلة الاقتصادات الدولية، المجلد 39، الصفحات 227-248، P. Smith (1999) "هل تشكّل حقوق براءات الاختراع الضعيفة حائلا للصادرات الأمريكية؟"، مجلة الاقتصادات الدولية، المجلد 48، الصفحات 151-177.

(49) Maskus (2000أ)، الصفحة 113.

(50) المباحثات في تلك المعلومات موجودة في Maskus (2000أ)، الصفحات 119-142، و Kumar (2002)، الصفحات 11-18.

(51) Maskus (2000أ)، الصفحة 131.

(52) K. Maskus. (2000ب) "حقوق الملكية الفكرية والاستثمار الأجنبي المباشر"، وثيقة مباحثات السياسة الرقم 0022، جامعة أديليد، أديليد الصفحات 2-3. المصدر: http://www.adelaide.edu.au/CIES/0022.pdf

(53) اشارة عابرة عند وصف اتفاقية الدوحة في البنك العالمي (2002) "تمويل التنمية العالمية 2002"، البنك العالمي، واشنطن دي سي. المصدر: http://www.worldbank.org/prospects/gdf2002/

(54) وثيقة الجمعية العامة للأمم المتحدة أ/55/1000، 26 يونيو/حزيران 2001. حقوق الملكية الفكرية مذكورة ولكن ليس في المباحثات المتعلقة بتدفق الرأسمال الخاص او الاستثمار الأجنبي المباشر. المصدر:

http://www.un.org/esa/ffd/a55-1000.pdf

(55) البنك العالمي/اتحاد الصناعات الهندية (2002) "تحسين جو الاستثمار في الهند"، مسودة، مجموعة البنك العالمي، واشنطن دي سي. المصدر:        course/core  pdfs/roger  india.pdf http://www.worldbank.org/wbi/corpgov/core   

(56) E. Mansfield (1994) "حماية الملكية الفكرية، الاستثمار الأجنبي المباشر، ونقل التكنولوجيا"، وثيقة المباحثات لمؤسسة التمويل الدولية 19، آي اف سي، واشنطن دي سي. المصدر: http://www.ksg.harvard.edu/dvc/ifcintellprop.pdf

(57) جرت مراجعة التأثيرات التاريخية والحالية في S. Patel،  P. Roffe و A. Yusuf (2001) "نقل التكنولوجيا الدولية: اصول ونتائج مفاوضات الأمم المتحدة حول مسودة مدونة السلوك"، مجلة كلوير للقانون الدولي، لاهاي.

(58) راجع:  e/dda  e/dohaexplained  e.htm#technologytransfere http://www.wto.org/englis/tratop

(59) معاهد الصحة الوطنية في الولايات المتحدة اقترحت مؤخرا سياسة لتخويل حقوق الملكية الفكرية على الصعيد العالمي المستمدة من المتعاونين الأجانب في الأبحاث في الحكومة الأمريكية، باستثناء في بلد المتعاون في الأبحاث. المصدر: http://grants.nih.gov/grants/guide/notice-files/NOT-OD-02-039.html

(60) المصدر: http://www.research-alliance.net


الفصل الثاني

 

الصحة

 

المقدمة

 

الموضوع

 

ان تأثير قواعد وممارسات قواعد الملكية الفكرية على صحة الفقراء في الدول النامية قد أثار جدلا كبيرا في السنوات الأخيرة. وعلى الرغم من ان هذا الجدل قد سبق اتفاقية "تريبس" (1) وبرز في المفاوضات حول اتفاقية "تريبس"، فقد ازدادت قوته الدافعة بدخول اتفاقية "تريبس" موضع التنفيذ وبالارتفاع الدراماتيكي في حوادث فيروس نقص المناعة البشرية/الايدز، ولا سيما في الدول النامية. وبالنسبة للدول المتقدمة كانت صناعة الادوية احدى قوات الضغط (اللوبي) الرئيسية في التمديد العالمي لحقوق الملكية الفكرية. (2) وبالنسبة للدول النامية، ثمة قلق رئيسي ساورها وهو كيف يمكن لتبني أنظمة الملكية الفكرية ان يؤثر على جهودها في تحسين الصحة العامة والتنمية الاقتصادية والتكنولوجية على وجه العموم، ولا سيما اذا كان تأثير ادخال حماية براءات الاختراع هو زيادة سعر الأدوية وتخفيض مجال اختيار مصادرها.

 

ونحن ندرك أهمية حماية براءات الاختراع حماية فعالة بالنسبة للصناعة المشمولة أكثر من غيرها في اكتشاف وتطوير الادوية الجديدة. وفي الواقع من دون حافز براءات الاختراع فمن الشك ان يقوم القطاع الخاص باستثمار ذلك القدر من الأموال في اكتشاف او تطوير الأدوية، العدد الكثير منها قيد الاستعمال حاليا في الدول النامية والدول المتقدمة. صناعة الادوية في الدول المتقدمة تعتمد اعتمادا كبيرا على نظام براءات الاختراع أكثر من أية قطاعات صناعية أخرى للتعويض عن تكاليفها السابقة على الأبحاث والتطوير ولجني الأرباح ولتمويل الأبحاث والتطوير في المنتجات العتيدة. وقد بيّنت الدراسات المتعاقبة بأن شركات الادوية تعتقد، أكثر من الشركات في أي قطاع آخر، بأن حماية براءات الاختراع هي مهمة جدا في المحافظة على نفقاتها على الأبحاث والتطوير وعلى الابتداع التكنولوجي. (3) وتنظر الصناعة عن كثب، بكل اهتمام، الى كيفية تطبيق حقوق الملكية الفكرية على الصعيد العالمي، وهي تقاوم عموما الرأي القائل بأنها تشكّل حائلا رئيسيا امام الحصول على الادوية او تشكّل رادعا للتنمية في الدول النامية. مثلا، صرّح السير ريتشارد سايكس، الرئيس السابق لشركة غلاكسو سميث كلاين في شهر مارس/آذار الماضي بقوله:

 

"قلما يوجد من يجادل بأن هناك حاجة لحماية الملكية الفكرية في العالم المتقدم، ولكن يتساءل البعض ما اذا كان من المناسب تمديد تغطيتها بحيث تشمل العالم النامي، الأمر الذي تقوم به تدريجيا اتفاقية "تريبس" ومثل ما قلت، حماية الملكية الفكرية ليست سببا في الافتقار الحالي الى الحصول على الأدوية في الدول النامية. في مؤتمر الدوحة في شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، قرر الأعضاء المنتسبون الى منظمة التجارة العالمية الى تأجيل تنفيذ اتفاقية "تريبس" بالنسبة الى الدول الأقل نموا الى عام 2016. أنا لا أعتقد بأن اتفاقية "تريبس" ستمنع الدول النامية الأخرى، مثل البرازيل والهند، من الحصول على الأدوية التي هي بحاجة اليها. ومن ناحية أخرى، فاني أعتقد بحزم بأن تلك الدول تملك القدرة على احتضان ورعاية صناعات لالادوية تعتمد على الأبحاث، بالاضافة الى رعاية صناعات ابتداعية أخرى، ولكن ذلك يحصل فقط عندما توفر الحماية للملكية الفكرية المتجسّدة في اتفاقية تريبس. هناك حاجة تدعو الى الاعتراف باتفاقية "تريبس" على انها أداة هامة للتنمية الصناعية في الدول النامية.(4)

 

ومع ذلك، فنحن أيضا على يقين تام بالقلق الذي تعبّر عنه الدول النامية والتي تعبّر عنه جهات أخرى بالنيابة عنها حول تأثير مثل تلك الحقوق على تلك الدول ولا سيما على أسعار الادوية. فاذا تم رفع أسعارها فهذا سيؤثر تأثيرا حادا بصورة خاصة على الفقراء، خصوصا في غياب توفر التدابير الواسعة الانتشار للحفاظ على الصحة العامة مثل تلك المتوفرة في معظم الدول المتقدمة. وهكذا فقد جادل الكثيرون من العديد من الدول النامية ومن المنظمات غير الحكومية عكس ذلك:

 

"لماذا تعارض الدول النامية بهذه الشدة اتفاقية "تريبس"؟ خطأ الاتفاقية الرئيسي هو انها تلزم جميع الدول، الفقيرة منها والغنية، ان تمنح حماية لبراءة الاختراع مدتها 20 عاما على الأقل وذلك للأدوية الجديدة، وبالتالي تؤخّر انتاج الأدوية البديلة الزهيدة الثمن غير المحمية ببراءة التي تعتمد عليها الخدمات الصحية والفقراء في الدول النامية. ولا يوجد أي جانب مفيد في ذلك: ان الأرباح المتزايدة التي تجنيها شركات العقاقير الدولية من أسواق الدول النامية لن تضعها في القيام بأبحاث اضافية في أمراض الفقراء – وهو حقيقة تعترف بها بعض الشركات في السر." (5)

 

وهكذا فان نقطة الابتداء في هذا التحليل هي ان اعتبارات العناية بالصحة يجب ان تكون الغاية الرئيسية في تقرير ما هو نطام الملكية الفكرية الذي يجب ان يطبق على منتجات العناية بالصحة. لا تمنح حقوق الملكية الفكرية لتوفير الأرباح للصناعة الا لتتمكن تلك الشركات من استخدامها لتوفير عناية أفضل بالصحة على المدى الطويل. وهكذا يجب مراقبة تلك الحقوق عن كثب  للتأكد من انها في الواقع تعزز غايات العناية بالصحة، وفوق كل شيء، بأنها ليست مسؤولة عن منع الفقراء في الدول النامية من الحصول على العناية الصحية.

 

الخلفية

 

والحافز للقدر الكبير من النقاش في الآونة الأخيرة كان وباء فيروس نقص المناعة البشرية/الأيدز المتفشي. من الأهمية بصورة خاصة ان لا ندع المناقشة في هذا المجال ان تتأثر بافراط بتجربة نقص المناعة البشرية/الأيدز، على الرغم من دراماتيكيتها. اذ عدا فيروس نقص المناعة البشرية/الأيدز، الذي يشكّل أكبر سبب للوفاة في الدول النامية، فان داء السل والملاريا يؤديان تقريبا الى العدد نفسه من الوفيات. أدت الأمراض الثلاثة معا الى وفاة ستة ملايين شخص تقريبا في العام الماضي وأدت الى مرض الملايين الآخرين مرضا مبدئيا. (6) وبالاضافة الى ذلك هناك عدد من الأمراض الأقل شيوعا ولكنها مهمة كمجموعة. تشتمل هذه الأمراض، مثلا، على الجدري وداء الليشمانية ومرض النّوام (وهو مرض منتشر في أصقاع كثيرة من أفريقيا الاستوائية يتميّز بالحمى والنعاس والارتعاد والهزال) وداء شاغاس (الدّراق الطفيلي). (7)

 

وتعرض كل مجموعة من الأمراض مشاكل مختلفة فيما يتعلق بتطوير المداواة والعلاجات واقتصادات عملية الأبحاث والتطوير. بالنسبة للأمراض السائدة في العالم المتقدم وأيضا في الدول النامية، مثل فيروس نقص المناعة البشرية/الأيدز، السرطان او السكر، يمكن للأبحاث في القطاع الخاص او العام في العالم المتقدم تنتج علاجات 

تكون مناسبة أيضا للعالم النامي. بالنسبة لتلك الأمراض، يجدر بنا ان نتوقع بأن الوعد في توفير حماية قوية للملكية الفكرية في العالم المتقدم من شأنه ان يعمل بمثابة حافز رئيسي للاستثمار في الأبحاث والتطوير. ولكن من الجدير بالملاحظة ان بعض أنواع فيروس نقص المناعة البشرية/الأيدز المتفشية في أفريقيا تختلف، مثلا، عن تلك الموجودة في الدول المتقدمة وهكذا يتطلب الأمر استنباط علاجات مختلفة لها.

 

وحيث تكون العلاجات المناسبة موجودة فان الحصول عليها يعتمد على القدرة على تحمّل نفقاتها وعلى وجود بنية اساسية للخدمة الصحية لدعم توفيرها. ونحن نعتبر كلفة الادوية عاملا مقلقا هاما في الدول النامية لأن معظم الفقراء في الدول النامية يدفعون ثمن العقاقير التي يحتاجون اليها وتوفيرها من قبل الدولة هو عادة اختياريا ومقيّدا بالمصدر. ليس هذا هو بالأمر عموما بالنسبة للعالم المتطوّر حيث تسدّد التكاليف عموما اما الدولة او شركات التأمين. ومع ذلك فان كلفة العقاقير هي مسألة سياسية مثيرة للجدل في الدول المتقدمة بالنسبة للحكومات وللمرضى غير المشمولين في مشاريع الدولة او التأمين الفعالة. (8) وفي الدول النامية يشكّل عدم كفاية البنية التحتية مشكلة هامة وهذه قد تعني ان حتى الأدوية الرخيصة لا تستعمل او انه يساء استعمالها الأمر الذي يساهم في نشوء جراثيم او فيروسات مقاومة للعقاقير.

 

ومن جديد نرى بأن فيروس نقص المناعة البشرية/الأيدز يوفر رسما بيانيا مساعدا لتلك المسائل. معالجة فيروس نقص المناعة البشرية بمضادات لارتجاع الفيروس او بعقاقير لعلاج العدوى الانتهازية الملازمة للمرض يبرز موضوع امكانية تحمّل كلفة العلاج بوضوح تام. التكاليف السنوية الدنيا للعلاج بمضادات ارتجاع الفيروس، حتى بأسعار مخفّضة جدا او بأسعار الأدوية المساوية غير المحمية ببراءة لا تغطي تكاليف الأبحاث والتطوير، تتجاوز الى حد بعيد نفقات الصحة السنوية للفرد في معظم الدول النامية. يبلغ الانفاق الحالي للفرد على الصحة في الدول النامية ذات الدخل المنخفض معدل 23 دولارا بالسنة ولكن أرخص العلاجات الثلاثية لمضادات ارتجاع الفيروس هي حاليا فوق 200 دولار بالعام او نحو ذلك. (9) وهكذا، بدون تمويل اضافي للأدوية ولخدمات توفير الخدمات الصحية تبقى كلفة علاج جميع الذين يحتاجون اليه كلفة لا يمكن تحملها حتى في أرخص أسعار الأدوية المحلية غير المحمية ببراءة. تقدر منظمة الصحة العالمية بأن أقل من 5% من الذين يحتاجون الى العلاج من فيروس نقص المناعة البشرية/ الأيدز يتلقون العلاج بمضادات ارتجاع الفيروس. فقط حوالي 230 ألف شخص من الستة ملايين شخص الذين يقال بأنهم بحاجة الى مثل ذلك العلاج في العالم النامي يتلقون بالفعل هذا العلاج ونحو نصف هؤلاء يعيشون في البرازيل. (10)

 

وتنشأ أسئلة مماثلة حول القدرة على تحمّل تكاليف العلاج بالنسبة لأمراض أخرى. مثلا، داء السل والملاريا سائدان الى حد كبير في الدول النامية مع ان هناك انبعاثا لداء السل في العالم المتقدم. ويجب ان لا يغيب عن ذاكرتنا بأن داء السل هو السبب الأول للوفاة بين المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية وحوالي الثلث من هؤلاء مصابين معا بداء السل. (11) وبالنسبة لتلك الأمراض وللأمراض المقتصرة على العالم النامي فان المسألة هي مسألة كيفية تعبئة الموارد من اجل الأبحاث والتطوير من القطاعين الخاص والعام لايجاد أدوية جديدة وبعد تطويرها تأمين وصولها الى الذين هم بحاجة اليها.

 

والنقطة الأخيرة هي من المسائل الحرجة للغاية المتعلقة بالعناية بالصحة في الدول النامية. كيف يمكن ايجاد الموارد اللازمة لتطوير العقاقير الجديدة واللقاحات للأمراض التي تصيب بصورة سائدة الدول النامية وليس الدول المتقدمة عندما تكون القدرة على دفع ثمنها هي محدودة الى هذا الحد؟ وحتى بوجود سوق لها في دولة متقدمة يمكن فيها استرجاع تلك الموارد من الأسعار العالية لتلك العقاقير، كيف يمكن تأمين القدرة على تحمّل تكاليف تلك العقاقير في الدول النامية؟ كيف يمكن حل التضارب بين هاتين الغايتين، أي تغطية تكاليف الأبحاث والتطوير وتخفيض الكلفة بالنسبة للمستهلك؟  ومثل ما هو الحال بالنسبة للتطوّر التكنولوجي عموما، هل لنظام الملكية الفكرية دور يمكنه ان يلعبه في حفز قدرات الدول النامية نفسها على تطوير وانتاج العقاقير التي هي او دول نامية أخرى بحاجة اليها؟

 

هذا هو السياق الذي نحتاج فيه الى دراسة الدور الذي يمكن فيه لحقوق الملكية الفكرية ان تلعبه في المساعدة على مواجهة تلك المعضلات. ليس من صلاحيتنا دراسة في العمق النطاق الواسع من العوامل التي تؤثر على صحة الفقراء او على جودة الخدمات الصحية في الدول النامية. لقد تم البحث في تلك العوامل بعمق في التقرير الأخير الذي أصدرته لجنة منظمة الصحة العالمية حول الاقتصادات الكبرى والصحة. (12) استخلصت لجنة الاقتصادات الكبرى والصحة بأن هناك حاجة الى ادخال مقدار كبير من الأموال العامة الاضافية في خدمات الصحة وفي البنية الاساسية والأبحاث من أجل مواجهة الحاجات الصحية للدول النامية. وفي رأيها لم تعرض حماية براءات الاختراع الا حافز صغير للأبحاث في الأمراض المتفشية في الدول النامية، في غياب سوق هامة. (13) وبالنسبة الى القدرة على الحصول على الأدوية فهي تحبّذ العمل التنسيقي لتأسيس نظام من التسعير التفاضلي (14) لمصلحة الدول النامية. واذا اقتضت الضرورة باستخدام واسع للترخيص الاجباري. (15)

 

تلك الاستنتاجات ذات صلة بمهمتنا الحالية. ينطوي دورنا على الاشارة بتفصيل أكبر الى كيف يمكن لقواعد الملكية الفكرية وممارساتها ان تساهم في ضمان صحة أفضل للفقراء مع ادراكنا التام بأنه يجب تكملة تلك التغييرات بسلسلة من الأفعال التي اقترحتها لجنة اللجنة المختصة بالاقتصادات الكبرى والصحة.

 

ونحن نقوم بذلك بالنظر في ثلاثة أسئلة رئيسية وهي:

 

·                   كيف يساهم نظام الملكية الفكرية في تطوير الأدوية واللقاحات التي يحتاج اليها الفقراء؟

 

·                   كيف يؤثر نظام الملكية الفكرية على قدرة حصول الفقراء على العقاقير وعلى توفرها؟

 

·                   ماذا يعني ذلك ضمنيا بالنسبة لقواعد وممارسات الملكية الفكرية؟

 

الأبحاث والتطوير

 

حوافز الأبحاث

 

يقدّر بأن أقل من 5% من المال المنفق في كافة أنحاء العالم على الأبحاث والتطوير في الادوية هو من أجل أمراض تؤثر بصورة رئيسية على الدول النامية.(16) والأبحاث في الادوية التي يقوم بها القطاع الخاص تدفعها اعتبارات تجارية واذا كان الطلب في الواقع هو صغير من حيث حجم السوق، حتى للأمراض الشائعة مثل السل والملاريا، فكثيرا ما يكون غير مجدي تجاريا تكريس موارد كبيرة لمواجهة تلك الحاجات. في عام 2002 تم تقدير سوق العقاقير العالمية بـ 406 مليار دولار أمريكي تعود نسبة 20% منها الى العالم النامي ونسبة أقل بكثير من ذلك الى الدول النامية ذات الدخل المنخفض.(17) وفي عدد كبير من الشركات المنتجة للادوية فهم يضعوا غاياتهم للأبحاث على أساس العائد. وقد علمنا بأن الشركات الكبرى المنتجة للادوية غير مستعدة للقيام بنوع معيّن من الأبحاث ما لم تكن النتيجة منتج تبلغ مبيعاته السنوية مليار دولار أمريكي. وبما ان الشركات الخاصة مسؤولة بصورة أولية تجاه حاملي أسهمها فهذا يؤدي بالضرورة الى أجندة أبحاث يقودها طلب السوق وذلك في أسواق العالم المتقدم، بدلا من حاجات الفقراء في العالم النامي وهي بالتالي تركز اهتمامها على الأمراض غير المعدية.

 

وبغض النظر عن نظام الملكية الفكرية السائد في الدول النامية، ففي الواقع لا يوجد حافز تجاري للقطاع الخاص للقيام بأبحاث ذات صلة محددة بغالبية الفقراء المقيمين في الدول ذات الدخل المنخفض. وبناء على ذلك قلما يجري مثل ذلك العمل في القطاع الخاص. ومجمل الأبحاث والتطوير في مجال الادوية التي  يقوم بها القطاع الخاص قد تضاعف في السنوات العشرة الماضية وتم تقديره في عام 2000 بـ 44 مليار دولار أمريكي.(18) من الصعب التقرير بدقة ما هي النسبة من ذلك الرقم يجري توجيهه نحو الأبحاث في الأمراض المتفشية بصورة خاصة في الدول النامية. ولكن جرى التقدير بأنه من بين 1393 عقارا تم التصديق عليها بين عامي 1975 و 1999 فقط 13 عقارا منها كانت موجهة مباشرة الى الأمراض المتفشية في المناطق الاستوائية.(19) ولكن عندما تكون الأمراض مشتركة في كل من الدول المتقدمة والدول النامية فان الصورة تبدو مختلفة. وهكذا هناك أبحاث وتطوير كبيرة من قبل القطاع الخاص في فيروس نقص المناعة البشرية/الأيدز. وبالمقارنة هناك عمل محدود على داء السل والملاريا وتقريبا لا يوجد البتة على داء النّوام.(20) وبالنسبة لفيروس نقص المناعة البشرية/الأيدز هناك الآن 64 عقارا مصدقا عليه في الولايات المتحدة لعلاج المرض والعدوى الانتهازية المرافقة له و 103 عقاقير قيد التطوير.(21)

 

وفي حال القطاع العام مثل المعاهد الوطنية للصحة في الولايات المتحدة او في مجالس الأبحاث الطبية في الدول المتقدمة الأخرى، لا يختلف الوضع كثيرا لأن أولوياتها في الأبحاث تقررها بصورة رئيسية الاعتبارات المحلية. يقدّر بأن انفاق القطاع العام على الأبحاث الصحية كان 36 مليار دولار أمريكي في عام 1998 تم الانفاق منه 5ر2 مليار دولار أمريكي على الدول النامية المنخفضة والمتوسطة الدخل. (22) وفي عام 2001 أنفقت المعاهد الوطنية الأمريكية للصحة وحدها أكثر من 20 مليار دولار أمريكي. وبالاضافة الى ذلك يقدّر بأن المؤسسات الخيرية أنفقت 6 مليارات دولار أمريكي على الأبحاث.(23) والبرنامج الخاص للأبحاث والتدريب في الأمراض الاستوائية الذي ترعاه منظمة الصحة العالمية لا يتلقى أكثر من 30 مليون دولار أمريكي بالسنة. ولم يجر التقدير رسميا النسبة الدقيقة لانفاق القطاع العام على الأمراض ذات الصلة بالدول النامية، ولكن من غير المحتمل ان يكون أكثر من

10%. تجري الآن مواجهة الوضع عن طريق منظمة الصحة العالمية والمنبر العالمي للأبحاث الصحية وعن طريق مبادرة الأطباء بلا حدود للبحث في عقاقير للأمراض المهملة وكذلك لتوفير التمويل الاضافي من قبل المؤسسات الوقفية وتطوير عدد كبير من الشراكات العامة-الخاصة لمواجهة أمراض معيّنة.(25) ولكن لا يزال مستوى التمويل الاجمالي لتلك الجهود معتدلا جدا بالنسبة لنطاق المشكلة والانفاق العالمي على الأبحاث والتطوير الذي يقدّر بـ 75 مليار دولار أمريكي، ولا تزال النتيجة غير أكيدة.

 

وهكذا ما هو الدور الذي تلعبه حماية الملكية الفكرية في الحفز على الأبحاث والتطوير في الأمراض السائدة في الدول النامية؟ كل الأدلة التي فحصناها توحي بأنه قلما ما يلعب أي دور البتة الا بالنسبة لتلك الأمراض التي يوجد لها سوق في العالم المتطوّر (مثلا مرض السكر او أمراض القلب). هناك بعض الأدلة الضعيفة تشير الى زيادة في مؤشرات الأبحاث في داء الملاريا منذ ان تم الاتفاق على اتفاقية "تريبس"، ولكن لم تتضح العلاقة بين السبب والنتيجة.(26) ان لب المشكلة هو الافتقار الى طلب سوقي كاف لحث القطاع الخاص على تخصيص الموارد للأبحاث والتطوير. وهكذا فنحن نعتقد بأن وجود او غياب حماية الملكية الفكرية في الدول النامية هو في أفضل الأحوال ذو أهمية ثانوية في توليد الحوافز للأبحاث الموجهة نحو الأمراض السائدة في الدول النامية.

وهكذا فان تلك الأبحاث قد لا تكون كافية من حيث المقدار بسبب الطلب الفعال غير الكافي من الدول النامية حيث المرض متركّز بشدة. وعلاوة على ذلك فان الأبحاث، ولا سيما على اللقاحات، قد يتطلب معالجة خصائص الأمراض الخاصة بالدول النامية، حيث الحل في العالم المتقدم قد لا يعالج المشكلة في العالم النامي. مثلا معظم اللقاحات ضد فيروس نقص المناعة البشرية يجري تطويرها من أجل بروفيلات جينية من النوع الفرعي ب، السائد في الدول المتقدمة بينما معظم المرضى بالأيدز في الدول النامية هم مصابون بالنوعين أ و ج. والأبحاث في اللقاحات ضد فيروس نقص المناعة البشرية تشكّل تحديا علميا بصورة خاصة بسبب الطريقة التي يتجنب فيها الفيروس استجابات المناعة الطبيعية في جسم الانسان والطريقة التي يتحوّل فيها.(27) والأبحاث في اللقاح ضد الملاريا يشكل تحديا أيضا بسبب حجم والتنوع لطفيّل الملاريا وتعقّد تحوّله.(28) وهكذا، بالنسبة للقطاع الخاص فان الأبحاث باللقاح يعتبر استثمارا عالي الخطر ومنخفض المردود ولا سيما فيما يتعلق بأنواع الأمراض السائدة في الدول النامية. ينـزع السوق الى التقليل من قيمة المردود الاجتماعي من اللقاحات أكثر مما هو الحال بالنسبة للعلاجات.(29) وبالنسبة للملاريا فان طلب السوق تهيمن عليه عقاقير مانعة للمرض تقدم للمسافرين من الدول المتقدمة بدلا من ايجاد لقاحات من شأنها ان تساعد المعانين من المرض في العالم النامي.

 

وفيما يتعلق بداء السل حيث يوجد نحو ثمانية ملايين شخص يعانون من المرض في الدول النامية فلم يجر تطوير فئة جديدة من العقار المضاد للسل منذ أكثر من 30 عاما. والعلاجات الحالية تتطلب مجموعة جرعات من العقاقير لمدة 6 أشهر او أكثر. وثمة عقار يمكنه ان يؤدي الى النتيجة ذاتها في ظرف شهرين يمكنه ان يؤثر تأثيرا دراماتيكيا في المساعدة على التحكم بالمرض على الصعيد الدولي. والتحدي العلمي في انتاج مثل هذا الدواء هو تحدي هام بالنظر الى خصائص المرض.(30) فقد قدّر تقرير أخير للاتحاد العالمي لتطوير عقار ضد مرض السل بأنه اعتمادا على طلب السوق (الخاص والعام وكذلك من الدول المتقدمة) قد يكون هناك بالفعل مردود مالي محترم على الكلفة المقدّرة لتطوير عقار جديد ومحسّن. ومع ذلك، لا يعتبر بأن حماية الملكية الفكرية والاقتصادات المؤاتية ستحث الاستثمار من دون اشتراك كبير من القطاع العام.(31) والنموذج الحالي المتبع من قبل شركات الادوية المبنية على أساس الأبحاث هو ان الانفاق على الأبحاث وجني الربح يعتمدان على مبيع عدد قليل من العقاقير "الرنانة"، التي تبلغ مبيعاتها عادة أكثر من مليار دولار بالسنة، الأمر الذي يساعد على تمويل النسبة العالية من الفشل في عملية الأبحاث والتطوير.(32) ولكن لدى تلك الشركات الحرية في متابعة مسارات واعدة أينما تقود بها، مثلا في علاج مرض او حالة لم يتصورونها من قبل. ويجب ان تكون اقتصادات الأبحاث من أجل علاج معيّن لمرض معيّن مؤاتيا لكي يحثّ الأبحاث الهامة فيه.    

 

والبعض مثل السير ريتشارد سايكس أعلاه قد حاجج بقوله ان توفير حماية للملكية الفكرية في الدول النامية ذات المهارات العلمية والفنية الهامة من شأنها ان تساعد في زيادة مقدار الأبحاث المكرّسة لأمراض الدول النامية. هناك افتقار الى الأدلة حول هذا الأمر لأن معظم الدول المعنية قد بدأت باصدار قوانين تلتزم باتفاقية "تريبس" او لم تقم بذلك حتى الآن ولكننا لا نرى أي سبب يحول دون استجابة الشركات ذات القدرة على الأبحاث في الدول النامية الى حماية الملكية على الصعيد العالمي والى حوافز السوق بشكل يختلف اختلافا كبيرا عن تلك الموجودة في الدول المتقدمة. هناك بعض الأدلة على هذا السلوك من بعض الشركات في دول مثل الهند.(33) اما الواقع فهو ان الشركات الخاصة ستخصص مواردها الى المجالات التي تعود اليها بالحد الأكبر من الدخل. وعلاوة على ذلك، فان التحركات المدعومة دعما واسعا لتأسيس أسعار تفاضلية من شأنها ان تخفّض الهوامش لمكافأة الأبحاث والتطوير في الدول النامية، الأمر الذي يقوّض أية حوافز للقيام بأبحاث اضافية في الأمراض السائدة في الدول النامية.

 

وباختصار فنحن لا نعتقد بأن عولمة حماية الملكية الفكرية من شأنها ان تساهم مساهمة هامة في زيادة الانفاق على الأبحاث والتطوير من قبل القطاع الخاص في أمور ذات صلة بعلاج أمراض تصيب الدول النامية بصورة خاصة. الطريقة المجدية الوحيدة للقيام بذلك هي بزيادة مقدار المساعدات الدولية المخصصة للأبحاث والتطوير في تلك الأمور. وقد أوصت اللجنة المختصة بالاقتصادات الكبرى والصحة بتخصيص مبلغ سنوي اضافي قيمته 3 مليارات دولار أمريكي لانفاقه على الأبحاث والتطوير وذلك عن طريق صندوق عالمي جديد للأبحاث في الصحة وعن طريق الآليات الموجودة حاليا وبواسطة الشراكات الخاصة والعامة.(34)

 

وتتطلب كيفية توجيه الأموال العامة المتزايدة للأبحاث من الموارد العامة دراسة مستفيدة وحذرة. يجب ان لا تعمل تلك الأمور بمثابة منبر لاعانة صناعة الادوية القائمة حاليا على الرغم من ان للصناعة بكل تأكيد دور تؤديه. يجب انتهاز الفرصة لبناء قدرات الدول النامية نفسها للقيام بالأبحاث والتطوير على علاجات لتلك الأمراض التي تؤثر عليها. وفي الدول النامية الأكثر تطورا تكنولوجيا يمكن ان تكون تلك الأبحاث فعالة جدا من حيث الأموال المنفقة عليها. مثلا، أسست شركة جنرال الكتريك ثاني أكبر مركز للأبحاث والتطوير في العالم في الهند وهي توظف هناك نحو ألف شخص من حاملي شهادات الدكتوراه كما قامت 27 شركة عالمية بتأسيس مراكز لها للأبحاث والتطوير في الهند بين عامي 1997 و 1999.(35) وهكذا يجب القيام بالأبحاث بالمساهمة النشيطة لمؤسسات الأبحاث المختارة والشركات في الدول النامية، مستغلين بذلك الموارد البشرية المتوفرة في تلك الدول والتكاليف المنخفضة للأبحاث والتطوير. وهناك حاجة أيضا الى التفكير تفكيرا مليا بالبنية المؤسسية لمثل ذلك التمويل. ان شبكة المجموعة الاستشارية حول الأبحاث الزراعية الدولية (36) من معاهد الأبحاث الزراعية (والتي نتكلم عنها في الفصل الثالث) هي نموذج من ذلك. وفي هذا الصدد لعل من الأفكار الواعدة فكرة تأسيس شبكة من الشراكات العامة والخاصة في الدول النامية مستغلين بذلك تركيز موارد الأبحاث في مؤسسات القطاع العام ومنتهزين أيضا الفرصة لبناء قدرة للأبحاث في القطاع الخاص. ويجب بصورة خاصة الضمان على قدر الامكان ان تكون الترتيبات للملكية الفكرية الناجمة عن مثل تلك الأبحاث بشكل يتيح المجال للفقراء للحصول على منتجات الأبحاث.

 

ينبغي زيادة الأموال العامة المنفقة على المشاكل الصحية في الدول النامية. ويجب ان يجري استخدام تلك الأموال الاضافية لاستغلال وتطوير القدرات المتوفرة حاليا في الدول النامية لمثل تلك الأبحاث وكذلك لتشجيع القدرات الجديدة في القطاعين العام والخاص على حد سواء. 

 

وعلى الرغم من ان الملكية الفكرية لن تساهم مساهمة كبيرة في توليد الأبحاث الاضافية ذات الصلة بالفقراء ، من الواضح لنا ان هناك مسائل هامة حول تأثير نظام براءات الاختراع على عملية الأبحاث. اذ بينما توفر حماية براءات الاختراع حافزا للأبحاث والتطوير، فان التسجيل ببراءة للتكنولوجيات المتوسطة (ولا سيما تلك المبنية على أساس الجينات) واللازمة لعملية الأبحاث من شأنها ان تخلق في الواقع امورا غير حافزة للباحثين من حيث حرية الوصول الى براءات الاختراع التي هم بحاجة اليها او من حيث انتهاك من دون قصد براءات الاختراع هذه.(37) وهذا مجال يمكن فيه لممارسات براءات الاختراع في العالم المتقدم ان تؤثر مباشرة على نوع الأبحاث التي ستجري من أجل الناس في الدول النامية، وهناك آثار ضمنية أيضا على نوع أنظمة براءات الاختراع التي ستتبناها الدول النامية. وترتيبات الملكية الفكرية في الشراكات الخاصة والعامة تبرز أيضا مشاكل هامة حول كيفية ادارة الملكية الفكرية بحيث تفيد الفقراء. ونحن نعالج تلك المسائل في الفصل السادس.

 

القدرة على حصول الفقراء على الأدوية

 

ان الغرض من براءات الاختراع، مثلما نوّهنا اليه هو توفير احتكار مؤقت لصاحبي الحقوق ليكون بمثابة حافز للاختراعات والاتجار بها. ولكن من الجدير الاشارة الى ان حق الاحتكار الذي توفره براءة الاختراع تستثني عادة فقط الآخرين من صنع المنتج المخترع المحمي ببراءة الاختراع او من استخدامه او من بيعه. وهو لا يمنع المنافسة من العقاقير الأخرى، ان كانت محمية ببراءة ام لا، التي تعالج الحالات الطبية ذاتها. ومع ذلك، وان تساوت الأمور الأخرى، هناك افتراض من أن الصانع لمنتج محمي ببراءة، عن طريق قدرته على استثناء استنساخ منتجه، سيحاول ان يكسب أرباحا احتكارية ويفرض أسعارا لن تتوفر له لو لم تتوفر له براءة الاختراع. هذا هو في الواقع أساس النظام. والمساومة مع المجتمع هي ان الفوائد للمجتمع التي يحدثها الابتداع تفوق فائدة الكلفة الاضافية للمنتج (مثلا، اختراع عقار ينقذ الحياة يمكن ان لا يتوفر لولا نظام براءات الاختراع).

 

هذا وبما انه من المسلّم به ان معظم الناس في الدول النامية هم فقراء وبأن حماية براءات الاختراع من شأنها ان ترفع الأسعار، فمن الضرورة بمكان الفحص بدقة الحجج التي يتقدم بها البعض والتي تقول بأنه من غير المحتمل لبراءات الاختراع في الدول النامية ان تؤثر تأثيرا هاما على حرية الحصول على الادوية الخاضعة لحماية براءات الاختراع. هناك أساسان يجري عليهما بناء تلك الحجج. أولا، بما ان براءات الاختراع لا تسعى اليها بعض الدول النامية ولا سيما الصغيرة منها فلا يمكن بالتالي ان تشكّل مشكلة هامة في الحصول على الأدوية. وثانيا، حتى عندما يسعون اليها فهي لا تشكّل العامل المقرر لسعر الدواء او تكون هناك عوامل طاغية تحول دون حصول الفقراء على تلك العقاقير.

 

انتشار براءات الاختراع

 

مع ان حماية براءات الاختراع للادوية متوفرة في معظم الدول النامية، لم تقم الشركات المتعددة الجنسيات بتسجيل ببراءة منتجاتها في جميع تلك الدول. يسري هذا الحال عادة على الدول ذات الأسواق الصغيرة والقدرة التكنولوجية المحدودة. ترى الشركات بأن الحصول والمحافظة على حماية براءاة الاختراع لا يستحق الكلفة المترتبة على ذلك عندما تكون السوق المحتملة صغيرة وخطر انتهاك الحماية منخفض. مثلا، وجدت دراسة جرت في الآونة الأخيرة في 53 دولة أفريقية بأنه بلغت نسبة التسجيل ببراءة لـ 15 عقار هام مضاد لاسترجاع الفيروس

6ر21% من المجموع المحتمل.(38) وفي 13 دولة لم توجد حماية لبراءاة الاختراع لتلك الأدوية البتة. وهكذا استنتجت الدراسة انه بما ان نسبة التسجيل ببراءة كانت صغيرة فان براءات الاختراع "لا تبدو عموما بأنها تشكل حائلا كبيرا للعلاج في أفريقيا في الوقت الحاضر"، مع انه كان هناك اعتراف بأنها قد تشكّل مشكلة عندما تصبح اتفاقية "تريبس" نافذة المفعول في جميع الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية.(39)

 

ومع انهم وجدوا في الدراسة بأن انتشار براءات الاختراع عموما هو منخفض نسبيا في مجموعه، فمن العجب ان لا يكون حتى أقل انخفاضا من ذلك بالنظر الى نسب العلاج المنخفضة جدا والى الأسواق الصغيرة والى عدم قدرة الا عدد قليل من الدول من انتاج نسخ غير محمية ببراءة من تلك العقاقير. انشتار براءات الاختراع هو أكثر بكثير في الدول ذات الأسواق الكبيرة وذات القدرة التكنولوجية. وهكذا نجد انه في جنوب أفريقيا (التي يعود اليها وحدها أكثر من 17% من الاصابات بفيروس نقص المناعة البشرية في أفريقيا) 13 من 15 عقارا هو محمي ببراءة. هناك ما بين 6-8 براءات اختراع لتلك العقاقير في بوتسوانا وغامبيا وغانا وكينيا ومالاوي والسودان وسوازيلاند ويوغندا وزامبيا وزمبابوي التي يعود اليها معا 31% أخرى من الاصابات بفيروس نقص المناعة البشرية في دول افريقيا جنوب الصحراء.(40)

 

وتشير الصناعة بأن انتشار براءات الاختراع هو أقل كثيرا او معدوم بالنسبة لمجموعة واسعة من العقاقير لعلاج الأمراض الأخرى. وحتى آخر مراجعة هذا العام فان أقل من 5% من العقاقير الواردة على لائحة العقاقير اللازمة التي وضعتها منظمة الصحة العالمية كانت مسجلة ببراءة.(41) وقد دلت دراسة قامت بها صناعة الادوية بأن 94% من الدول التي جرت دراستها لم تكن لديها أية براءات لعقاقير خاصة بعلاج السل والملاريا ولا توجد لأية دولة براءات عن كافة العقاقير ذات الصلة بتلك الأمراض. لا توجد أية براءات اختراع البتة على العقاقير الخاصة بعلاج داء الاسهال.(42) والحجة التي تقدمها الصناعة هي انه حتى في عدم وجود حماية براءة الاختراع فالعقاقير غير متوفرة.(43) مثلا، حتى عند وجود اللقاحات ضد شتى الأمراض الشائعة ووجود برنامج تطعيم موسع ترعاه منظمة الصحة العالمية، مثلا أقل من دولار واحد للقاح متعدد القوى، فهو يفشل في الوصول الى عدد كبير من الأطفال الذين يمكنهم ان يستفيدوا منه على الرغم من نجاح هذا البرنامج.

 

هذا طبعا صحيح ولكن لا يتبع منه بأنه ليس لنظام براءات الاختراع آثار مناوئة ضارة. اذ حتى في عدم وجود براءات الاختراع لمنتجات معينة وفي دول معينة، يمكن لنظام براءات الاختراع ان يؤثر على حرية الحصول على الأدوية. تعتمد معظم الدول النامية على الواردات. وجود براءات الاختراع في الدول الموردة قد يسمح لصاحب براءة الاختراع بأن يمنع تصدير منتجه الى دولة أخرى ولا سيما عن طريق رقابات على قنوات التوزيع. هذا سبب آخر لماذا تقوم الشركات بتسجيل منتجاتها ببراءة في دول مثل جنوب أفريقيا لأنه يمكن ان تكون جنوب أفريقيا موردة محتملة لجيرانها الفقراء في أفريقيا الجنوبية او في الواقع لأماكن أخرى. في الوقت الحاضر لدى الدول المستوردة التي لا توجد فيها حماية لبراءة الاختراع حرية الاختيار في استيراد المنتجات من الشركات غير المحمية منتجاتها ببراءة، بصورة رئيسية من الهند، لأنه لا يلزم على الهند ان تفرض حماية على الادوية حتى عام 2005. ولكن بعد ذلك وبموجب اتفاقية "تريبس" سيجري التسجيل ببراءة العقاقير الجديدة وتلك التي جرى تقديم طلب بالتسجيل ببراءة لها بعد عام 1994، وهكذا تنخفض الامكانية لاستيراد تلك العقاقير بناء على ذلك مع مرور الزمن. ولكن من الجدير بالملاحظة انه سيستمر توفر جميع العقاقير الحالية المنتجة كعقاقير مماثلة غير محمية ببراءة في الهند او أماكن أخرى للتصدير شرط، طبعا، ان لا تكون محمية ببراءة في الدولة المستوردة. سنعود الى مناقشة هذا الموضوع أدناه في مناقشتنا حول الخيارات السياسية المتوفرة.

 

براءات الاختراع والأسعار

 

لا شك ان أهمية أسعار الأدوية على المستهلكين الفقراء في الدول النامية هي من بديهيات الأمور. ولكن من الجدير التشديد بأن المريض الذي يترتب عليه ان يدفع مبلغا أكبر على دواء محمي ببراءة يبقى له مبلغ أقل للانفاق على متطلبات الحياة الأخرى مثل الطعام او الملجأ. والاستغناء عن الدواء بسبب عدم توفره او سعره الغالي قد يؤدي الى سوء الصحة المزمن او الى الوفاة. لذلك من الأهمية الأخذ بعين الاعتبار تأثير ادخال نظام للملكية الفكرية على أسعار الأدوية مع الاعتراف في الوقت ذاته بالعوامل العديدة التي تؤثر على الأسعار. تشتمل تلك العوامل على القدرة الشرائية وعلى المنافسة والهيكل السوقي واستجابة الطلب للسعر والرقابات والأنظمة التي تضعها الحكومات على الأسعار.

 

ومن الصعوبة بوجه خاص المراقبة مباشرة وعزل أثر ادخال براءات الاختراع في أسواق الدول النامية. علينا ان نعتمد الى حد ما على نماذج الاقتصاد القياسي لمعرفة تأثير ادخال حماية براءاة الاختراع والى حد آخر على خبرة الدول المتقدمة حيث تتنافس الشركات المنتجة للعقاقير غير المحمية ببراءة مع الشركات المنتجة المبني انتاجها على الأبحاث.

 

الدول المتقدمة 

 

لا توجد أدلة واسعة من الدول المتقدمة تشير الى ان أسعار العقاقير تهبط هبوطا حادا حالما تخرج تلك العقاقير من الحماية التي توفرها براءات الاختراع، وذلك على افتراض وجود عقاقير منافسة غير محمية ببراءة. يبدو ان الأسعار تهبط هبوطا أكبر كلما دخلت العقاقير المنافسة غير المحمية ببراءة السوق. يمكن للحكومات ان تشجّع تخفيض الأسعار وذلك بتسهيل الدخول المبكّر لمنتجي العقاقير غير المحمية ببراءة الى السوق. مثلا، قانون المنافسة في اسعار العقاقير وعودة مدة براءات الاختراع في الولايات المتحدة (المعروفة بقانون هاتش-واكسمان) حقق ذلك تماما مما أدى الى ارتفاع نسبة مبيعات الأدوية غير المحمية ببراءة من 19% في عام 1984 الى 47% في عام 2000.(44) وفي الدول المتقدمة مثل المملكة المتحدة فان نصيب الأدوية غير المحمية ببراءة في السوق هو أعلى من ذلك بكثير. كما رفعت شركات الادوية قضايا باهظة الثمن في المحاكم او كانت الطرف المدعى عليه في تلك القضايا وذلك من أجل تأخير او منع الدخول الى السوق الأدوية غير المحمية ببراءة او لحماية او تمديد احتكارها على عقار رائج في السوق.(45) وعلينا ان نتذكر بالتساوي ان الشركات المنتجة للأدوية غير المحمية ببراءة تحكمها حوافز السوق كما هو الحال بالنسبة للشركات المبنية منتجاتها على أساس الأبحاث، وبأنه من الضروري تشجيع المنافسة في صناعة الأدوية غير المحمية ببراءة اذا كان من جراء ذلك يمكن تخفيض أسعار العقاقير. ووجدت دراسة أخيرة جرت في الولايات المتحدة بأن أسعار العقاقير تهبط عندما تدخل الى السوق العقاقير غير المحمية ببراءة ولكن هناك حاجة الى خمسة عقاقير غير محمية ببراءة على الأقل لتنـزيل الأسعار الى الحد الأدنى.(46) وعدد العقاقير المنافسة التي تدخل الى السوق والسرعة التي تدخل فيها يعتمد على الأرباح المتوقعة. وقد وجدوا بأن الفوائد الكاملة من المنافسة يمكن الشعور بها فقط في الأسواق الكبيرة. اما في الأسواق الصغيرة فعدد صغير من الشركات المنتجة للعقاقير غير المحمية ببراءة ستعتبر بأنه من المجدي لها الدخول الى تلك الأسواق وهكذا ستبقى الأسعار التي يدفعها المستهلكون أسعارا عالية. هذا أمر ذو صلة بوضع الدول النامية مثلما نناقش أدناه.

 

الدول النامية

 

يمكن أيضا للدول النامية ان تحد من تكاليف نظام براءة الاختراع بالنسبة لشعوبها بتسهيل دخول العقاقير غير المحمية ببراءة وتسهيل المنافسة في تلك العقاقير. ولكن في معظم الحالات نجد بأن خياراتها محدودة جدا بالنظر الى صغر أسواقها والافتقار الى قدرة تكنولوجية وانتاجية وتنظيمية أهلية. ان هذا الافتقار الى القدرة على خلق بيئة تنافسية لكل من المنتجات المسجّلة ببراءة وللمنتجات غير المحمية ببراءة مما يجعل وجود براءات الاختراع أمر مثير للجدل مما هو الحال في الأسواق المتقدمة التي تتمتع بقدرة أكبر على تطبيق بيئة تنظيمية قوية موالية للمنافسة.

 

وتدل المقارنات الدولية بأن نسخ العقاقير المسجّلة ببراءة في مكان آخر هي أرخص الى حد بعيد في الأسواق التي لا توفر حماية لبراءات الاختراع. السوق الهندية التي لا توجد فيها حماية للمنتجات هي أرخص الأسواق في العالم. وقد دلت احدى الدراسات التي قمنا بها انه بالنسبة لـ 12 دواء لعلاج مجموعة من الحالات الصحية كانت الأسعار الأمريكية بين أربعة و 56 أضعاف أسعار الأدوية المساوية لها المباعة في الهند ومع ذلك تعذّر على عدد كبير من الناس في الهند الحصول عليها.(47)

 

ولكن تشير الدراسات الخاصة بسياسات التسعير التي تضعها الشركات المتعددة الجنسيات (ولا سيما بخصوص مضادات ارتجاع الفيروس) بأنه حتى مؤخرا لم يكن هناك ارتباط بين سعر الدواء نفسه وبين دخل الفرد في البلاد. ويتوقعوا مثل هذا الارتباط على أسس نظرية لأنه يجب ان يكون بوسع الشركات ان تجني أرباحا أكثر عندما تطلب أسعارا منخفضة في الأسواق ذات الدخل المنخفض وأسعارا عالية في الأسواق ذات الدخل العالي (يعرف ذلك بالتسعير التفاضلي) مما هو الحال فيما لو طلبت سعرا عالميا متحدا. ولكن بدت الأسعار متفاوتة عشوائيا بين بلد وآخر. بعض الدول النامية دفعت أسعارا أعلى من الولايات المتحدة وبعضها دفعت أقل. وفي أفضل الأحوال كانت هناك علاقة ضعيفة جدا بين أسعار العقاقير بالجملة وبين دخل الفرد. (48) والسعر الحقيقي الذي يدفعه المريض يتعقّد بسبب رسوم الاستيراد والتعرفة المحلية والضرائب والأرباح التي يجنيها البائع بالجملة.(49)

 

ربما تكون تلك الحالة قد تغيّرت نوعا ما خلال السنتين الماضيتين اذ خفّضت بعض الشركات أسعارها تخفيضا كبيرا استجابة للضغوط الدولية، ولا سيما من المنظمات غير الحكومية، ومن جراء المنافسة المحتملة من شركات صنع الأدوية غير المحمية ببراءة، ولا سيما من الهند. مثلا، بين شهر يوليو/تموز عام 2000 وشهر أبريل/نيسان عام 2002 انخفض السعر السنوي للعلاج الثلاثي المسجّل ببراءة لمضاد استرجاع الفيروس من عشرة آلاف دولار الى مجرد 700 دولار لمجموعات مختارة من المستهلكين. وفي ذلك الوقت كان قد انخفض أدنى سعر للعلاج الثلاثي غير المحمي ببراءة الى 209 دولار أمريكي.(50)

 

ولكن لتقدير أثر ادخال أنظمة براءات الاختراع من جديد الى الدول النامية من الضرورة استخام نماذج الاقتصاد القياسي. هناك عدد صغير ولكن متزايد من النشرات الاعلامية تتعلق بالدول النامية ذات الدخل المنخفض والمتوسط والتي لديها صناعات هامة للادوية. تشير تلك المعلومات بأن ادخال أنظمة براءات الاختراع الى مثل تلك الدول النامية سيرفع أسعار الأدوية او من المنتظر ان يرفعها. وتتراوح التقديرات تراوحا واسعا اعتمادا على العقاقير وعلى الدول التي تجري دراستها، من 12% الى أكثر من 200%، ولكن حتى أدنى التقديرات تعني تكاليف باهظة جدا للمستهلكين.(51) ويدل نطاق التقديرات بأن النتيجة ستقررها الى حد بعيد بنية السوق والطلب ولا سيما درجة المنافسة.

 

وهناك أيضا أدلة كبيرة تشير الى أن استهلاك الأدوية له علاقة مباشرة بسعرها. وقد قدّرت دراسة جرت في اوغندا بأن تخفيض سعر العلاج الثلاثي بمضاد لاسترجاع الفيروس من 6000 دولار أمريكي الى 600 دولار أمريكي في السنة من شأنه ان يرفع الطلب للعلاج من ألف الى خمسين ألف مريض وذلك عندما كان ملازما لاستثمارات معتدلة نسبيا في بنية علاجية تتراوح بين 4 و 6 ملايين دولار أمريكي. (52) وقد دلّت دراسة أخرى أيضا في اوغندا بأن تخفيض الأسعار الناجم عن تنـزيلات في أسعار الأدوية المسجلة ببراءة والمخفّض اضافيا من جراء استيراد أدوية مماثلة غير محمية ببراءة، زاد عدد المرضى الجاري علاجهم ثلاثة أضعاف بين عامي 2000 و 2001.(53) وقدّرت دراسة للاقتصاد القياسي العالمي بأن ازالة براءات الاختراع في قطاع متعارض من الدول النامية من شأنها ان تزيد حرية الحصول على مضادات استرجاع الفيروس بنسبة 30%، مع ان ذلك يحصل من مستوى حالي منخفض جدا.(54)

 

ومن المحتمل ان يؤثر ادخال أنظمة براءات الاختراع تأثيرا قويا على مجموعة الدول التي طوّرت صناعات قوية لانتاج الأدوية غير المحمية ببراءة مع ما يرافق ذلك من درجة من المنافسة قد أبقت الأسعار منخفضة. وهناك أدلة من بعض الدول من أن ادخال براءات الاختراع (مثلا في ايطاليا في عام 1978) او تقوية نظامها، كما حصل في كندا في التسعينات من القرن الماضي، وذلك بتقوية قوة السوق للشركات المتعددة الجنسيات الأجنبية، سيؤدي الى تعزيز واعادة هيكلة الصناعة المحلية. قد يسفر عن ذلك زيادة كبيرة في الأسعار بالنسبة للمستهلك من جراء تخفيض درجة المنافسة في السوق ومن جراء زيادة الواردات. هناك جدل حول ما اذا يمكن التعويض عن تلك التكاليف بفوائد أخرى مثل تعزيز الأبحاث المحلية. وفي ايطاليا وكندا، وهما دولتان متقدمتان، فان الأدلة متفاوتة.(55) في ايطاليا استولت الشركات المتعددة الجنسيات على عدد كبير من الشركات المحلية وانخفضت الصادرات من العقاقير غير المحمية ببراءة وارتفعت الواردات من العقاقير المسجّلة ببراءة. ولم تتوفر أدلة جديرة بالذكر حول ازدياد الأبحاث والتطوير. وفي كندا ظهرت أدلة تشير الى زيادة هامة في الأبحاث والتطوير نتيجة لصفقة توصلوا اليها مع الشركات الصانعة المتعددة الجنسيات والاعتمادات الضريبية التي وفرتها كندا بموجب قانون ضريبة الدخل لعام 1987، ولكن الأبحاث والتطوير تركّزت على التجارب قبل السريرية والسريرية وعلى تحسين عمليات الانتاج بدلا من التركيز على تطوير أمور جزئية جديدة.(56) وفي البلدين استخدمت الرقابة على الأسعار للحد من ارتفاع سعر المنتجات المسجّلة ببراءة.

 

وبالنسبة للدول النامية ذات الصناعات القوية في انتاج العقاقير غير المحمية ببراءة فان المستقبل غير أكيد أيضا. فمن ناحية من المنتظر ان تتأثر الشركات المنتجة للعقاقير غير المحمية ببراءة بصورة رئيسية نأثيرا ضارا نتيجة لادخال حماية براءات الاختراع كما سيتأثر تأثيرا ضارا المستهلكون والحكومات الذين يتوجب عليهم ان يدفعوا أسعارا أعلى للعقاقير المحمية ببراءة الاختراع. ومن ناحية أخرى قد ترى الشركات القائمة على تطوير قدرات للأبحاث او التي يمكنها ان تحصل على تراخيص من الشركات المتعددة الجنسيات فوائد من حماية براءة الاختراع. تفسّر تلك التأثيرات المتضاربة لماذا ادخال حماية براءات الاختراع في الهند هو مسألة مثيرة للجدل. بعض أقسام صناعة الادوية الهندية تؤيد ادخال حماية براءات الاختراع وهم يحضرون أبحاثهم تمهيدا لادخالها ولكن هناك أقسام أخرى تعارضه بشدة. وطبعا فان ادخال تلك الحماية هو مثير للجدل بالنسبة لجماعات المستهلكين وللمنظمات الأهلية أي غير الحكومية.

 

وعموما، لدى تطبيق اتفاقية "تريبس" سنجد بأنه سيمنع استنساخ العقاقير الجديدة واستصدار مثيلة لها غير محمية ببراءة. في الوقت الحاضر فان الخطر من المنافسة الدولية من المزوّدين لنسخ غير محمية ببراءة لعقاقير مسجّلة ببراءة يشكّل عاملا مقيّدا على الأسعار التي يمكن فرضها على الدول التي لا تطبق أنظمة لبراءة الاختراع، والى حد أقل في الدول التي لديها أنظمة لحماية براءات الاختراع ولكن فيها خطر مصداقي من الترخيص الاجباري. وعندما تصدر جميع الدول المنتجة للعقاقير قوانين تترتب على براءة الاختراع ستصبح العقاقير غير المحمية ببراءة محدودة بشكل متزايد على العقاقير القديمة التي تكون قد نفذت مدة صلاحية براءة اختراعها. وهذا الأمر لن يختلف مما هو عليه الحال الآن في الدول المتقدمة ولكن ستجد الدول النامية من الصعوبة تحمّل كلفة الأدوية الجديدة المحمية ببراءة. وهكذا هناك حاجة الى ايجاد ضمن نظام براءات الاختراع وخارجه وسائل لاحداث بيئة تنافسية من شأنها المساعدة في التعويض على أثر الأسعار الضارة على المستهلكين في الدول النامية. نقدم أدناه بعض التدابير التي ينبغي أخذها بعين الاعتبار لضمان قيام نظام براءة الاختراع بدعم حق الدولة في حماية الصحة البشرية وتشجيع الحصول على الأدوية وذلك تمشيا مع اعلان الدوحة عن اتفاقية "تريبس" والصحة العامة (المعروفة فيما بعد باعلان الدوحة – المرجو مراجعة المربّع1:2).

 

العوامل الأخرى التي تؤثر على القدرة على الحصول على الادوية

 

يقال، مثلا من قبل صناعة الادوية، بأن أهم القيود على الحصول على الأدوية في الدول النامية ليست حماية براءات الاختراع بل الافتقار الى الانفاق على العناية بالصحة في الدول النامية والى غياب البنية الاساسية الصحية المناسبة لوصف الأدوية بسلامة وبكفاءة. وصف الأدوية غير الصحيح قد يساهم في تطوير مقاومة للدواء عدا عن كونه غير فعال. وبالنسبة لفيروس نقص المناعة البشرية حيث يتغيّر الفيروس بسهولة، فان توزيع مضادات استرجاع الفيروس الواسع من دون تطوير بنية اساسية مناسبة لذلك قد يساهم في نشوء مقاومة للدواء.(57) ويقال أيضا بأن الأشكال غير المحمية ببراءة من العقاقير المسجّلة ببراءة قد تكون ذات مستوى متدني او حتى محفوفة بالخطر.(58)

ويفيد تقرير من جمعية صناعة الادوية الأمريكية ما يلي:

 

"بالنظر الى محدودية الموارد المالية فان قدرة تلك الدول على احتواء مرض الأيدز (ظاهرة نقص المناعة المكتسبة) ومواجهة مجموعة من الأمراض القاتلة الأخرى تتقوّض بسبب عدم كفاية بنيتها التحتية والحواجز الثقافية الحائلة دون العناية وسوء ادارة أنظمة العناية الصحية. وبعض الدول النامية تعيقها أيضا القيادة السياسية التي تفتقر الى الارادة لمواجهة او حتى الاعتراف بحاجات البلاد الصحية."(59)

 

وعدا براءات الاختراع هناك عدد من العوامل التي تؤثر على أسعار العقاقير مثل التعرفة وأشكال أخرى من الضرائب غير المباشرة.(60) وقد يبدو من الخطأ التذمّر من تأثير براءات الاختراع على الأسعار وبنفس الوقت اهمال السياسات الأخرى تحت المراقبة الوطنية التي لها تأثير مشابه. وهكذا من الأهمية ان تدار أنظمة الضرائب الوطنية بطريقة تدعم سياسات الصحة العامة مثل ما يترتب على نظام براءات الاختراع ان يفعله.

 

ومن أجل التخفيف من القلق حول آليات توزيع العقاقير المضادة للأيدز، أنتجت منظمة الصحة العالمية هذا العام اول الارشادات للعلاج بمضادات استرجاع الفيروس في الأماكن الفقيرة وأصدرت لائحة بالشركات المنتجة وبالمنتجات (بما فيها 11 عقارا من مضادات استرجاع الفيروس) التي تفي بمقاييس الجودة التي وضعتها منظمة الصحة العالمية على أنها موردة لوكالات الأمم المتحدة. وتحتوي اللائحة حاليا على شركات منتجة للمنتجات المسجّلة ببراءة وعلى عدد من الأشكال من تلك المنتجات غير المحمية ببراءة بما فيها حتى الآن شركتان موردتان هنديتان. وبالاضافة الى ذلك شملت لائحة منظمة الصحة العالمية للمرة الاولى 12 عقارا من مضادات استرجاع الفيروس لعلاج مرض الأيدز على لائحة العقاقير اللازمة (اثنان منها كانا في اللائحة ولكن لعلاج انتقال المرض من الأم الى الطفل).(61)

 

هناك مقدار كبير من الجدل حول الصلة المقارنة لبراءات الاختراع والعوامل الأخرى في تعيين القدرة على الحصول على الأدوية. نحن نعتبره من الأهمية ان تعالج جميع تلك العوامل. ولكن لا نعتبر ان هناك مساومة حقيقية بين تحسين ترتيبات الملكية الفكرية لمتابعة أهداف الصحة العامة ومواجهة مسائل السياسة والبنية الاساسية والموارد لتحقيق الأهداف ذاتها. هناك حاجة لمتابعة الاثنين ومتابعة واحد منهما ليس له أية علاقة على القدرة على متابعة الآخر. قال أحد المشاركين في مؤتمرنا ما يلي:

 

"... أود ان أثني اللجنة من الوصول الى الاستنتاج في هذا الحوار بأن الكل يتعلق بالبنية الاساسية وبالموارد. فاذا كان هذا هو الاستنتاج، أعتقد بأنكم ستحصلون على ما يفيده العنوان الا وهو: "الناس فقراء". وهكذا لا تتقدموا بتوصيات تقولون فيها بأن الناس فقراء لأننا نعلم ذلك. نحن نحاول ان نحل مشاكلهم وان لا نقول لهم بأنهم فقراء."(62)

 

هناك حاجة تدعو الدول الى تبني سلسلة من السياسات لتحسين الحصول على الأدوية. الموارد الاضافية لتحسين الخدمات توفير أدوات توزيع الأدوية والبنية الاساسية اللازمة لذلك هي أمور مهمة وحرجة. وهناك حاجة أيضا تدعو الى انسجام سياسات الاقتصاد الكبير مع أهداف السياسة الصحية. وذلك أيضا ينطبق على نظام الملكية الفكرية. على الدول ان تضمن بأن أنظمتها لحماية الملكية الفكرية لا تسير في مسار معاكس لسياسات الصحة العامة التي تتبعها وبأن تلك الأنظمة ثابتة على مبدأ تلك السياسات وتؤيدها.

 

المتضمّنات السياسية

 

خيارات السياسة الوطنية

 

السياق

 

السياق لمباحثاتنا حول المتضمّنات السياسية هو اعلان الدوحة الذي تم الاتفاق عليه في الاجتماع على مستوى الوزراء لمنظمة التجارة العالمية الذي انعقد في الدوحة في شهر نوفمبر/تشرين الثاني عام 2001 (المرجو مراجعة المربّع 1:2). أوضح الوزراء بأنه يجب ان لا تحول اتفاقية "تريبس" دون قيام الدول باتخاذ اجراءات لحماية الصحة العامة في بلادها. وهم أكّدوا بأنه في اطار شروط الاتفاق يمكن منح التراخيص الاجبارية على أسس تقررها الدول الأعضاء. وعلاوة على ذلك يمكن تلبية الطلب المحلي بواردات متوازية (يحكمها بعبارات قانونية مبدأ "استنفاد الحقوق").(63) وهم اعترفوا بأنه توجد مشكلة خاصة بالنسبة للدول التي تكون قدرتها الصناعية غير كافية للاستفادة من الترخيص الاجباري، وأملوا على مجلس "تريبس" بأن يجد حلا مع نهاية العام. وقد اتفق الأعضاء على استثناء الدول الأقل نموا من تنفيذ او تطبيق او فرض حماية للعقار والمعلومات الخاصة بالتجارب (64) حتى عام 2016. أكّد مجلس "تريبس" هذا القرار في 27 يونيو/حزيران عام 2002. وفي الوقت ذاته وافق المجلس على تنازل من شأنه ان يستثني الدول الأقل نموا من الحاجة الى توفير حقوق تسويقية مقتصرة لأية عقاقير جديدة وذلك في الفترة التي لا تتوفر فيها حماية لبراءات الاختراع. يجب مراجعة هذا التنازل الذي وافق عليه المجلس العام لمنظمة التجارة العالمية كل سنة من قبل المؤتمر الوزاري لمنظمة التجارة العالمية (أو المجلس العام بين الاجتماعات الوزارية) حتى ينتهي أمده.

 

والافتراض المنطقي لتوصياتنا هو انه بالنسبة للدول النامية فان أية فوائد لها من حيث تطوير علاجات جديدة للأمراض تعاني منها ستكون في أفضل الأحوال طويلة الأمد بينما ستكون تكاليف تنفيذ نظام براءات الاختراع حقيقيا وفوريا. وهكذا نحن نركّز على تدابير في نظام الملكية الفكرية من شأنها ان تخفّض الى الحد الأدنى أسعار العقاقير وبنفس الوقت تحافظ على توفرها. ومثلما نوّهنا أعلاه لم نجد أدلة تشير الى ان مثل تلك التدابير من شأنها ان تقلل الحوافز للأبحاث في أمراض تعني الدول النامية بوجه خاص، لأن العامل المقرّر هنا هو الافتقار الى الطلب وليس نظام الملكية الفكرية. ولكن بما اننا نعترف بأننا ندخل بحارا مجهولة هناك ضرورة الى مواصلة الأبحاث لتحديد مدى تأثير تنفيذ اتفاقية "تريبس" عمليا على كل من الحوافز للأبحاث وللحصول على نتائجها، ولا سيما على الأمد الطويل.

 

المربّع 1:2 الاعلان الوزاري الناجم عن اجتماع منظمة التجارة العالمية في الدوحة حول اتفاقية "تريبس" والصحة العامة

 

تم تبنيه في 14 نوفمبر/تشرين الثاني عام 2001

 

1          نحن نعترف بخطورة المشاكل التي يعاني منها العديد من الدول النامية والدول الأقل نموا، ولا سيما تلك الناجمة عن فيروس نقص المناعة البشرية/الأيدز والسل والملاريا ومن غيرها من الأوبئة.

 

2          ونحن نشدّد على ان تشكّل اتفاقية منظمة التجارة العالمية حول النواحي التجارية من حقوق الملكية الفكرية (اتفاقية "تريبس") جزءا من العمل الوطني والدولي الواسع لمواجهة تلك المشاكل.

 

3          ونحن نعترف بأن حماية الملكية الفكرية هي مهمة لتطوير الأدوية الجديدة. ونحن نعترف أيضا بالقلق الذي يساور الناس حول تأثيرها على الأسعار.

 

4          ونحن نوافق بأن اتفاقية "تريبس" لا ويجب ان لا تمنع الأعضاء من اتخاذ تدابير لحماية الصحة العامة في بلادها. وبناء على ذلك، ومع تكرار التـزامنا باتفاقية "تريبس" نؤكد بأنه يمكن ويجب تفسير وتنفيذ الاتفاقية بطريقة تؤيد حق الأعضاء في منظمة التجارة العالمية بحماية الصحة العامة ولا سيما تشجيع الحصول على الأدوية للجميع.

 

وفي هذا الصدد نحن نعود فنؤكد حق الأعضاء في منظمة التجارة العالمية باستخدام استخداما تاما الاجراءات في اتفاقية "تريبس" التي توفر المرونة لهذا الغرض.

 

5          وبناء على ذلك، وفي ضوء ما جاء في الفقرة 4 أعلاه،، ومع الاحتفاظ بالتزاماتنا باتفاقية "تريبس"، فنحن نعترف بأن تلك المرونات تشتمل على ما يلي:

 

أ)          لدى تطبيق القواعد العادية في تفسير القانون الدولي العام، ستجري قراءة كل شرط من شروط اتفاقية "تريبس" في ضوء الغاية والغرض من الاتفاقية كما هي معبّرة بوجه خاص في غاياتها ومبادئها.

ب)        يحق لكل عضو ان يمنح تراخيص اجبارية والحرية لتعيين الأسس التي تمنح بموجبها تلك التراخيص.

ج)         يحق لكل عضو ان يعيّن ما هي الأمور التي تشكّل حالة طارئة وطنية  او أية ظروف ملحة للغاية، شرط الادراك بأن ازمات الصحة العامة، بما فيها تلك المتعلقة بفيروس نقص المناعة البشرية/الأيدز والسل والملاريا والأوبئة الأخرى، يمكنها ان تمثّل حالة طارئة وطنية او أية ظروف ملحة للغاية.

د)          وأثر شروط  اتفاقية "تريبس" ذات الصلة باستنفاد حقوق الملكية الفكرية هو ترك كل عضو حرّ لتأسيس نظامه الخاص لاستنفاد مثل تلك الحقوق من دون الطعن فيها، شرط الامتثال الى MFN والى شروط العلاج الوطنية الواردة في المادتين 3 و 4.

 

6          ونحن نعترف بأن أعضاء منظمة التجارة العالمية التي تفتقر الى قدرات الانتاج او التي تكون قدرتها على الانتاج غير كافية في قطاع الادوية قد تواجه صعوبات في الاستفادة استفادة فعالة من الترخيص الاجباري بموجب اتفاقية "تريبس". ونحن نأمر مجلس "تريبس" بأن يجد حلا سريعا لهذه المشكلة وان يرفع تقريرا بهذا الخصوص الى المجلس العام قبل نهاية عام 2002.

7          ونحن نعيد فنؤكد التـزام الدول المتقدمة الأعضاء بتوفير الحوافز لمشاريعهم ومؤسساتهم لترويج وتشجيع نقل التكنولوجيا الى الدول الأعضاء الأقل نموا عملا بالمادة 66-2.  ونحن نتفق أيضا بأن الدول الأعضاء الأقل نموا لن تكون ملزمة، فيما يتعلق بالادوية، بتنفيذ او تطبيق القسمين 5 و 7 من الجزء الثاني من اتفاقية "تريبس" او بتطبيق الحقوق المنصوص عنها في القسمين حتى 1 يناير/كانون الثاني عام 2016، وذلك بدون الاخلال بحق الدول الأعضاء الأقل نموا في السعي الى تمديد الفترات الانتقالية المنصوص عنها في المادة 66-1 من اتفاقية "تريبس".  ونحن نصدر تعليماتنا الى مجلس "تريبس" لكي يتخذ الاجراء الضروري لوضع ذلك موضع التنفيذ عملا بالمادة 66-1 من اتفاقية "تريبس.

 

التسعير التفاضلي

 

ومثلما نوّهنا به فان التسعير التفاضلي من حيث المبدأ يجب ان يكون طريقة منطقية من الوجهة الاقتصادية للشركات العالمية لكي ترفع أرباحها الى الحد الأقصى على المنتجات المباعة في كل من الأسواق ذات الدخل المنخفض والعالي.(65) كما يجب ان يكون طريقة لضمان حصول الفقراء على المنتجات الزهيدة الثمن.

 

هناك مبادرات عديدة لتسهيل نظام عالمي من التسعير التفاضلي. ومثلما نوّهنا أعلاه هناك عوامل كثيرة غير متعلقة بحقوق الملكية الفكرية تؤثر على الأسعار وعلى توفر الأدوية. هناك عاملان هامان في تأسيس نظام للتسعير التفاضلي من شأنه ان يحعل الأسعار المنخفضة في الدول النامية تتعايش مع الأسعار العالية في الدول المتقدمة وهما:

 

·                   يجب تقطيع الأسواق التي لديها مستويات مختلفة من الأسعار بحيث لا يمكن للأدوية الزهيدة الثمن ان تدخل الأسواق ذات الأسعار العالية. يعني ذلك مراقبة صادرات وواردات منتجات ذات الصلة.

·                   يجب ان لا يجري اتخاذ قرارات التسعير في الأسواق ذات الأسعار العالية، حيث تقرر تلك الأسعار او تتأثر بسياسة الحكومة، بالرجوع الى الأسعار في الأسواق ذات الأسعار المنخفضة.

 

العامل الثاني لا يشمل اعتبارات الملكية الفكرية ولكنه يمثّل مشكلة سياسية في عدد كبير من الدول المتقدمة بسبب وجود تفاوت في أسعار الادوية، حتى بين الدول النامية نفسها، وبسبب الضغط على ميزانيات المرضى وعلى مشاريع التأمين وعلى الدولة لتسديد فواتير العقاقير المسجّلة ببراءة المرتفعة باستمرار.

 

ولكن من المحتمل ان تلعب أدوات نظام الملكية الفكرية، بما فيها الواردات المتوازية والترخيص الاجباري، دورا أساسيا في تعضيد التسعير التفاضلي وتقطيع السوق. ولضمان فعالية نظام التسعير التفاضلي يتعيّن على القوانين الوطنية في الدول النامية ان تحافظ على حق الحكومة في ادخال الورادات المتوازية وفي اصدار التراخيص الاجبارية.

 

ونحن على يقين أيضا بتخفيضات الأسعار الأخيرة وبعدد المشاريع الخاصة التي تديرها بعض الشركات، أحيانا بالتعاون مع الوكالات الدولية، لتوفير تنـزيلات كبيرة او عقاقير مجانية، وذلك بالاشتراك مع الحكومات المحلية والمنظمات الأهلية والبنية الاساسية الداعمة لضمان توزيعها على المريض. تنطبق تلك العروض عموما فقط على المشترين الذين هم عادة الحكومات او المنظمات غير الحكومية او منظمات تقديم المساعدات او شركات القطاع الخاص ولكن ليس على الشركات التجارية الموردة للأدوية. هذه كلها مساهمات نرحب بها لتحسين القدرة على الحصول على الأدوية في الدول النامية.(66) ولكن هناك أيضا حاجة الى ايجاد حلول عريضة الأساس، تكون قابلة للدوام والاستمرار، لمشاكل الصحة العامة العويصة التي يجري البت فيها حاليا. ولذلك هناك حاجة الى الاستمرار في بذل الجهود لجعل التسعير التفاضلي كفوءا وفعالا.

 

الواردات المتوازية  

 

من حيث المبدأ، من غير المستحسن وضع تقييدات على الحركة الحرة للمنتجات حالما تضعها الشركة المنتجة في السوق. ولكن عمليا وفقط من أجل ضمان تزويد منتجات بأسعار زهيدة للذين هم بحاجة الى أسعار زهيدة، ولهم فقط، قد تدعو الضرورة الى الانحراف عن هذا المبدأ العام. وهكذا هناك عنصر هام في توطيد نظام للتسعير التفاضلي وهو ان الأسواق بحاجة الى التقطيع الى قطاعات لمنع قيام المنتجات الرخيصة بتقويض الأسواق ذات الأسعار العالية. ولهذا السبب من الضروري ان تضع الدول المتقدمة آليات فعالة يمكنها منع الاستيراد المتوازي للأدوية. يبدو الحال كذلك بوجه عام بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الاوروبي ولكنه لا يبدو هو الحال بالنسبة لليابان.(67)

 

يترتب على الدول المتقدمة ان تحافظ على أنظمتها التشريعية وان تقويها منعا من دخول الادوية الزهيدة الثمن والآتية أصلا من الدول النامية.

 

ولكن، لتأمين تقطيع الأسواق الى قطاعات، من المستحسن أيضا للدول النامية ان تعمل على منع تصدير الى الدول المتقدمة عقاقير تشكّل جزءا من تبرعات او مشروع للتسعير التفاضلي. من المهم بصورة خاصة منع تحويل المنتج من المرضى الموجهة اليهم الأدوية. ولكن، مع الاعتراف بحدود قدراتها على التطبيق، يقع العبء الأساسي في تقطيع السوق الى قطاعات بين الدول المتقدمة والنامية على عاتق الدول المتقدمة.

 

يجب ان لا تزيل الدول النامية الموارد المحتملة للواردات الزهيدة الثمن من دول نامية اخرى او متقدمة. وحتى يكون تدبير فعال موالي للمنافسة في اطار الامتثال التام لاتفاقية "تريبس" يجب السماح بالواردات المتوازية عندما تستنفد حقوق صاحب براءة الاختراع في الدولة الأجنبية. وحيث تسمح اتفاقية "تريبس" للدول بأن تصمم أنظمتها الخاصة لاستنفاد الحقوق (وهي نقطة أعيد ذكرها في اجتماع الدوحة)، يجب على الدول النامية ان تسهّل الورادات المتوازية في تشريعاتها. 

 

الترخيص الاجباري

 

ومثلما نوّهنا أعلاه ستكون نتيجة تطبيق اتفاقية "تريبس" هي تقليص امداد نسخ غير محمية ببراءة من المنتجات المسجّلة ببراءات اختراع. هذا من شأنه ان يزيل عاملا هاما في تقييد وتخفيض اسعار المنتجات المسجّلة ببراءة في الدول النامية. توفير تشريعات فعالة واجراءات للترخيص الاجباري قد يلعب دورا هاما في المحافظة على سياسة موالية للمنافسة لحقوق الملكية الفكرية في البيئة الجديدة. نحن لا نعتبر الترخيص الاجباري دواء عاما بل بوليصة تأمين لازمة لمنع انتهاك نظام الملكية الفكرية.

 

ومع ان اتفاقية "تريبس" تسمح بالترخيص الاجباري (كما هو موضح في اعلان الدوحة)، شرط تلبية اجراءات وشروط معيّنة، لم تستعمله الدول النامية حتى الآن. ومن السخرية ان الدول المتقدمة هي التي تستعمل الترخيص الاجباري بنشاط لعدد من الأغراض، وليس فقط في مجال الادوية فقط، بما في ذلك في قضايا ضد التجميع الضخم للرساميل في الولايات المتحدة. استخدمت كندا الترخيص الاجباري بشكل واسع في مجال الادوية من عام 1969 حتى أواخر الثمانينات من القرن الماضي. هذا أدى الى انخفاض اسعار العقاقير المرخّصة بنسبة 47% مما هي عليه في الولايات المتحدة في عام 1982.(68) استعملت المملكة المتحدة أيضا الترخيص الاجباري حتى السبعينات من القرن الماضي بما في ذلك للعقاقير الهامة مثل الليبريوم والفاليوم. ومؤخرا في عام 2001 تصوّر وزير الصحة والخدمات البشرية الأمريكي علنا امكانية الحصول على عقاقير مشابهة غير محمية ببراءة قبل مفاوضاته مع شركة باير (صاحبة براءة الاختراع) لشراء العقار "سيبرو" للتعامل مع عواقب الهجمات بالجمرة الخبيثة، مع انه في النهاية تم الاتفاق مع شركة باير.(69)